زمنُ الرويبضة
د. عبد الكريم بكار
نحن نعيش اليوم فصلاً من الفصول التي أخبرنا عنها الصادق المصدوق ﷺ، حيث يتصدر المشهد “الرويبضة”؛ وهو المرء التافه الذي لا يملك من العلم حظاً، ولا من الحكمة نصيباً، لكنه يقتحم أخطر الميادين وأعقدها: (ميدان الدين ونقده).
إنَّ ظاهرة “المثقف الجاهل” الذي يقتات على إثارة الجدل في الثوابت ليست علامة قوة، بل هي علامة “سيولة أخلاقية” واضطراب في معايير المجتمع.
وإليك قراءة في كيفية التعامل مع هذه الشخصيات بمنطق الرشد والوعي:
1. الإعراض.. “الإماتة بالترك”
أولى خطوات الوعي هي إدراك أنَّ هذه الشخصيات تقتات على (الضجيج). إنَّ الرد على التافه يمنحه “شرعية” لم يكن يحلم بها، ومشاركته مقاطعه -ولو من باب السخرية- تُسهم في نشر باطله. القاعدة التربوية تقول: “إنَّ الباطل يَموت بتركِ ذكره”. وظيفة المسلم هنا هي “التجاهل الواعي”؛ ليبقى هذا الضجيج محصوراً في دائرة ضيقة لا تتجاوز قائلها.
2. التمييز بين “النقد العلمي” و”الثرثرة الأيديولوجية”
يجب أن نُربي في أنفسنا ملكة النقد؛ فالنقدُ علمٌ وله أصول، أما ما نراه فهو مجرد (استعراض رقمي) يفتقر لأدنى أدوات البحث. مَن ينقد الدين دون امتلاك أدوات اللغة، والتفسير، والتاريخ، هو كمن يحاول إجراء جراحة دقيقة بـ “سكين مطبخ”. لا تسمح لـ “ثقة الجاهل بنفسه” أن تُهز يقينك؛ فجهله المركب هو الذي يجعله يظن أنه أتى بما لم تستطعه الأوائل.
3. الانشغال بـ “البناء” لا بـ “الترميم”
بدلاً من قضاء الساعات في تتبع سقطات هؤلاء والرد عليها، استثمر وقتك في (تحصين نفسك وأهل بيتك) بالعلم الراسخ. إنَّ الشجرة القوية الجذور لا تهزها الرياح العابرة. وظيفتك هي بناء “المناعة الذاتية” عبر القراءة الواعية، ومجالسة العلماء الربانيين، وفهم مقاصد الشريعة. إذا امتلأ القلب بالحق، لم يجد الباطل فيه مكاناً يستقر فيه.
4. الحذر من “عدوى السباب”
من الانتصارات التي يحققها الرويبضة هو “جرّك” إلى ساحة البذاءة والشتائم. المؤمنُ القوي يترفع عن قبيح الكلام حتى مع من أساء للدين؛ لأنَّ هدفنا هو (الهداية والبيان) لا (التشفي والإهانة). كُن منارة للأدب في حوارك، ليعرف الناس الفرق بين “رقي الإيمان” و”انحدار الجهل”.
الخلاصة:
يا بني.. إنَّ الظهور على الشاشات وكثرة المتابعين لا تمنح المرء “أهلية” للحديث في عظيم الأمور. كُن بصيراً بـ “موازين الرجال”، ولا تغرنك الفصاحة المسمومة أو الجرأة المصطنعة. إنَّ الحق أبلج، والباطل لجلج، والحقيقة تنضج في عقول الصابرين المستمسكين بالعروة الوثقى، فأما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.