دعم الجماعات الترابية الموجه للجمعيات بالسمارة ومدى تفعيل المادة 65 من القانون التنظيمي للجماعات في حق المتورطين
مجهر الصحراء : لشكر عبدالله.
مقدمة :
يعتبر دعم الجمعيات أحد أبرز أوجه تدخل الجماعات الترابية لتنشيط الحياة المحلية بإقليم السمارة. فالاعتمادات المرصودة سنوياً لتمويل الأنشطة الثقافية والرياضية والاجتماعية تحولت إلى رافعة تنموية حقيقية في يد المجتمع المدني. لكن هذا الدعم، بقدر ما يخلق دينامية، يثير أسئلة حارقة حول الشفافية والنجاعة. فهل كل الجمعيات تحصل على المنحة بنفس المعايير؟ وهل يخضع المنتخبون أنفسهم للقانون حين تكون جمعياتهم هي المستفيدة؟ هنا تبرز المادة 65 من القانون التنظيمي 113.14 كـ”فيتو قانوني” لضبط حالات تضارب المصالح. هذا المقال يحاول تفكيك واقع دعم الجمعيات بالسمارة، واختبار مدى تفعيل هذه المادة الزجرية !
أولاً : دعم الجمعيات بالسمارة.. بين ” الشراكة والشبهة “؟
1 – الإطار القانوني : يجيز القانون التنظيمي للجماعات 113.14 للمجلس الجماعية تقديم دعم مالي للجمعيات التي تقدم مشاريع ذات نفع عام. وجل الجماعات بالاقليم، لم ترصد أي غلاف مالي في ميزانيتها في إطار فصل “إعانات مقدمة للجمعيات”.
2 – الاستثمار الاجتماعي : في إقليم السمارة، لمسنا بعض الإيجابيات لا يمكن إنكارها ، من خلال جمعيات ناشطة استطاعت بهذا الدعم تنظيم قوافل طبية للعالم القروي، ومهرجانات ثقافية تثمن التراث الحساني، ودوريات رياضية تؤطر الشباب. غير ان الدعم هنا تحول إلى استثمار اجتماعي.
3 – فتح باب التأويل: يتحدث الفاعل الجمعوي عن “جمعيات محظوظة” تحصل على دعم سخي كل سنة دون تقديم تقرير أدبي ومالي مفصل، وأخرى تُقصى لأنها لا تملك “سنداً” داخل المجلس.
وبغياب دفتر تحملات واضح ومعايير تنقيط معلنة يفتح الباب للتأويل “القرابة العائلية، والسياسية ” .
ثانياً : المادة 65.. سيف الحكامة المسلط على تضارب المصالح :
المادة 65 من القانون 113.14 جاءت صريحة وقاطعة. تنص على أنه: “يمنع على كل عضو من أعضاء مجلس الجماعة أن يربط مصالح خاصة مع الجماعة… أو أن يبرم معها أعمالا أو عقودا… أو أن يمارس بصفة عامة كل نشاط قد يؤدي إلى تنازع المصالح”.
ويعني هذا أن أي عضو جماعي هو رئيس جمعية أو عضو في مكتبها، يجب عليه:
1 – عدم الحضور في دورة المجلس التي ستناقش نقطة منح الدعم لجمعيته.
2 – عدم المشاركة في التصويت على هذه النقطة.
3 – عدم التأثير على باقي الأعضاء لمنح الامتياز لجمعيته.
مسطرة الجزاء : إذا ثبتت المخالفة، تحرك السلطة الإقليمية في شخص “عامل الإقليم” مسطرة العزل في حق العضو المعني لدى المحكمة الإدارية. وهذا ما يسمى “ربط المسؤولية بالمحاسبة”.
ثالثاً : تفعيل المادة 65 بالسمارة.. بين النص والواقع :
1 – حالات معلنة : خلال السنوات الأخيرة، عرفت عدة جماعات بالمغرب تفعيلاً للمادة 65 ، وصلت حد عزل رؤساء جماعات ومنتخبين، وإقليم السمارة بجماعاته الترابية ومؤسساته ليس بمنأى عن المراقبة ، فما تعيشه بعض الجمعيات من حضوة واخرى من تهميش يطرح سؤال المراقبة القانونية.
2 – مناطق رمادية : الإشكال لا يزال قائماً في “العضوية غير المباشرة”. ماذا عن منتخب زوجته أو ابنه رئيس جمعية ؟
إن كان القانون لا يمنع ذلك صراحة، لكن روح المادة 65 وفقه القضاء الإداري يذهبان إلى منع كل ما من شأنه أن يخلق شبهة استغلال الموقع، ويبقى دور سلطة الوصاية حاسماً.
3 – ضعف التبليغ : أغلب حالات تضارب المصالح لا تصل للقضاء لأن المجتمع المدني لا يبلغ عنها، إما خوفاً أو لعدم الدراية بالمساطر. كما أن محاضر الدورات لا تتضمن دائماً إشارة واضحة لانسحاب العضو المعني، مما يصعب الإثبات.
رابعاً : من أجل شراكة نظيفة :
1 – دفتر تحملات موحد : على الجماعات الترابية بالسمارة أن تخصص دفتر تحملات معلن للعموم، بمعايير تنقيط رقمية : أقدمية الجمعية، عدد المنخرطين، أثر المشروع، التقرير المالي للسنة الماضية. ” الاستحقاق يكون بالأرقام لا بالهواتف”.
2 – لجنة مستقلة : إحداث لجنة للدعم تضم موظفين، وأكاديميين، وفعاليات من المجتمع المدني المشهود لها بالنزاهة، ترفع توصياتها للمجلس. هذا يخفف الضغط على المنتخب.
3 – التصريح الإجباري بالمصالح : إلزام كل عضو جماعي عند بداية الولاية بتعبئة تصريح بالمصالح، يذكر فيه كل الجمعيات التي ينتمي إليها هو أو أقاربه من الدرجة الأولى.
4 – النشر الاستباقي : نشر لائحة الجمعيات المستفيدة والمبالغ الممنوحة وأسباب الدعم على البوابة الإلكترونية للجماعة وعلى سبورة الإعلانات ، فالشفافية تقتل الشبهة.
5 – تفعيل دور المعارضة والمجتمع المدني : من حق أي مواطن أو مستشار أن يطعن في مقرر منح دعم إذا شابه عيب تضارب المصالح. فالمادة 65 سلاح في يد الجميع، وليس بيد السلطة فقط.
خاتمة :
دعم الجمعيات بالسمارة ضرورة تنموية، لكنه يجب أن يكون بوابة للشراكة لا مدخلاً للريع. المادة 65 ليست نصاً لتصفية الحسابات السياسية، بل هي صمام أمان لحماية المال العام وصورة المنتخب. وتفعيلها الصارم هو رسالة بأن زمن “المال السايب” قد ولى. عندما يرى المواطن أن القانون يطبق على الجميع، بمن فيهم من صوت عليهم، يستعيد الثقة في مؤسساته. وتلك هي الشراكة الحقيقية التي نريدها بين الجماعة والجمعية.