المحاكمة العادلة ليست مجرد استمرار للجلسات… بل استمرار للعدالة بضماناتها الكاملة والقضاء غير معني بمعركة حقوقية ليس طرفا فيها
يستفاد من التعليل أن محكمة الإستئناف بعيون الساقية الحمراء سعت إلى الموازنة بين حق المتهمة في الدفاع وبين استمرارية سير مرفق العدالة، مستندة إلى الفصول 117 و118 و120 من الدستور، وإلى المواد 316 و317 و423 من قانون المسطرة الجنائية، فضلاً عن المادة 39 من قانون مهنة المحاماة. غير أن النتيجة التي انتهت إليها تثير ملاحظات قانونية ودستورية ومنهجية جوهرية، ذلك أنها انتهت عملياً إلى تغليب انتظام سير المرفق القضائي على أحد أهم مقومات المحاكمة العادلة، وهو الحق المقدس للمتهمة في الدفاع، بما يشمله من حقها في اختيار محاميها والتمسك به.
فإذا كانت المحكمة قد استهلت تعليلها بالتذكير بأن القاضي، طبقاً للفصول 117 و118 و120 من الدستور، يتولى حماية الحقوق والحريات، وأن حق التقاضي وحقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم، فإنها انتهت، في المقابل، إلى ترجيح مبدأ استمرارية المرفق القضائي على حق الدفاع، مع أن الفصل 120 من الدستور لا يضع هذين المبدأين في مرتبة واحدة، وإنما يجعل ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع من الحقوق الأساسية التي لا يجوز المساس بها إلا في أضيق الحدود، ووفق تفسير دستوري صارم يراعي مقتضيات الضرورة والتناسب.
كما استندت المحكمة إلى المواد 316 و317 و423 من قانون المسطرة الجنائية، باعتبارها تجيز تعيين محام تلقائياً في الحالات التي تكون فيها المؤازرة إلزامية. غير أن هذه المقتضيات إنما شرعت أصلاً لحماية المتهم من أن يحاكم دون دفاع، ولم توضع لتجاوز إضراب مشروع أو خلاف مهني جماعي. فالمحامي المعين في إطار المساعدة القضائية لا يجوز أن يتحول إلى مجرد وسيلة لضمان انعقاد الجلسة، بل ينبغي أن تتوافر له الشروط الفعلية التي تمكنه من ممارسة الدفاع بكفاءة واستقلال، بما في ذلك الوقت الكافي للاطلاع على الملف، والتشاور مع المتهمة، وإعداد وسائل الدفاع إعداداً حقيقياً، لأن الحضور الشكلي للمحامي لا يحقق وحده مقتضيات المحاكمة العادلة.
وزادت المحكمة في تعليلها بالاستناد إلى المادة 39 من قانون مهنة المحاماة، التي تمنع المحامين من الاتفاق على التوقف الكلي عن تقديم المساعدة أمام القضاء. غير أن هذه المادة ظلت محل نقاش دستوري وحقوقي وفقهي واسع، ولا يجوز أن تتحول، بمفردها، إلى أساس لتقييد حق الدفاع أو لتجريد الهيئات المهنية من وسائل الاحتجاج المشروعة، لاسيما إذا تعلق الأمر بخلاف حول نص تشريعي يمس استقلال المهنة ورسالتها الدستورية.
والأخطر من ذلك أن المحكمة قررت أن تخلف المحامي “لا علاقة له بمصلحة المتهمة ولا بحقها في الدفاع”، وهو استنتاج يفتقر إلى السند القانوني الكافي؛ لأن اختيار المتهمة لمحاميها ليس مجرد مسألة تنظيمية، وإنما هو تجسيد لعلاقة ثقة شخصية تشكل عنصراً جوهرياً من عناصر الدفاع الفعال. ومن ثم، فإن غياب المحامي المختار بسبب إضراب مشروع لا يؤدي تلقائياً إلى انتفاء أثر ذلك على المركز القانوني للمتهمة، ولا يعفي المحكمة من واجب الوقوف على إرادتها الصريحة، وما إذا كانت تقبل أو ترفض مؤازرة محام آخر. فإرادة المتهمة ليست عنصراً ثانوياً في المحاكمة، بل هي جزء لا يتجزأ من الحق في الدفاع، وإغفالها يجعل التعليل مبتوراً.
ويؤخذ على المحكمة أيضاً أنها أغفلت المرجعية الدولية، وفي مقدمتها المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين (مبادئ هافانا لسنة 1990)، التي تؤكد استقلال المحامي وضرورة تمكينه من أداء رسالته في مناخ من الحرية والاستقلال، كما تؤكد أن ضمان الدفاع لا يتحقق بمجرد تعيين محام، وإنما بقيام دفاع فعلي ومؤثر، تتوافر له جميع الضمانات اللازمة لممارسة رسالته.
ثم إن المحكمة تبنت منطق استمرارية المرفق القضائي باعتباره قيمة دستورية، لكنها لم تجر اختباراً حقيقياً للتناسب بين هذه القيمة وبين الحق في الدفاع، ولم تبين لماذا لم يكن ممكناً اعتماد تدبير أقل مساساً بحقوق المتهمة، كتأخير القضية إلى حين تمكينها من المؤازرة بواسطة محاميها المختار، خاصة وأن المحكمة نفسها أشارت إلى الوضع الصحي للمتهمة دون أن تبين أثر هذا المعطى على موازنتها بين المصالح الدستورية المتعارضة.
إن التعليل القضائي لا يكتمل بمجرد تعداد النصوص القانونية أو الإحالة إليها، وإنما يقتضي مناقشة الدفوع الجوهرية والرد عليها تعليلاً خاصاً ومقنعاً، وإجراء موازنة حقيقية بين المبادئ الدستورية المتعارضة. وإذ أغفل القرار مناقشة إرادة المتهمة، ولم يبين أسباب استبعاد تأجيل القضية، ولم يبرر المساس بحقها في اختيار دفاعها وفق معايير الضرورة والتناسب، فإنه يكون قد جاء بتعليل ناقص يوازي انعدامه؛ لأن النقص هنا لا يتعلق بتفصيل ثانوي، وإنما ينصب على عنصر جوهري له أثر مباشر في مشروعية القرار.
وخلاصة القول، فإن هذا التعليل يعكس توجهاً يغلّب انتظام سير العدالة على الضمانات الفردية للمتقاضين، في حين أن الموازنة الدستورية السليمة تقتضي العكس: أن تكون استمرارية المرفق القضائي في خدمة المحاكمة العادلة، لا بديلاً عنها. فاستمرارية المرفق ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق العدالة، ولا تتحقق العدالة إذا أُضعف أحد أهم مقوماتها، وهو الحق المقدس في دفاع فعّال، يختاره المتهم بحرية، ويمارسه في ظروف تكفل المساواة وتكافؤ الوسائل واحترام إرادته. ومن ثم، فإن المحاكمة العادلة ليست مجرد استمرار للجلسات، وإنما هي استمرار للعدالة بضماناتها الكاملة.
وأخيرًا، فإن أكثر ما يثير الانتباه في هذا التعليل ليس فقط مآله القانوني، وإنما أيضًا توصيفه للتوقف الجماعي عن العمل باعتباره سلوكًا موجَّهًا ضد العدالة. فهذا التقييم يتجاوز، في تقديرنا، الوظيفة القضائية في الفصل في النزاع المعروض، ليدخل في توصيف نزاع مهني ومجتمعي لا يندرج ضمن اختصاص المحكمة، ولا يقتضيه الحسم في القضية. وكان الأولى أن تقتصر المحكمة على بحث مدى تأثير غياب الدفاع على حقوق المتهمة وضمانات المحاكمة العادلة، دون الخوض في تقييم مشروعية الحركة الاحتجاجية أو تبني توصيفات تظل محل جدل قانوني ومؤسساتي. إن مثل هذا الانزياح في التعليل قد يُفهم على أنه اصطفاف مع التأويل الذي تتبناه السلطة التنفيذية لطبيعة النزاع، وهو ما لا ينسجم مع ما يقتضيه واجب الحياد والتحفظ القضائي، كما كرسته مبادئ استقلال السلطة القضائية ومدونة الأخلاقيات القضائية. فالقاضي لا يُطلب منه أن يكون طرفًا في النزاعات المهنية أو مؤولًا للمواقف السياسية، وإنما أن يبقى حارسًا للحقوق والحريات، وأن يظل تعليله محصورًا في حدود ما تقتضيه وظيفته الدستورية في حماية الحق وضمان المحاكمة العادلة .