كان المسافرون في غابر الأيام يخافون من الوحوش، وقطّاع الطرق، ومن المرض المفاجئ، وقد غاب معظم هذه المخاوف اليوم بسبب الانضباط الأمني، وتطور وسائل السفر.
لكن يظل الحذر من أمور كثيرة من أهم ما يتسلح به المغتربون عن أوطانهم، حيث إن المرء بمجرد مغادرته لموطنه يفقد شبكة الأمان الاجتماعية، والثقافية التي كانت تحوطه، ويجد نفسه في بيئة يجهل رموزها، وإشاراتها الثقافية، ويجهل أعرافها، وعاداتها، وقوانينها، ولهذا فإن بعض تصرفاته قد يُفهم على نحو خاطئ، وقد يساء به الظن بسبب جهل الناس به.
ومن هنا فإن (الحذر) يكون آلية الدفاع الأولى لدى المغترب: الحذر في القول، والحذر في الفعل، والحذر في اختيار العلاقات، والحذر في التعامل مع القوانين… الحذر لا يعني الخوف، أو الجبن، أو الانغلاق، وإنما يعني اليقظة الناضجة، ويعني نوعا من الوعي المتقدم بالمخاطر والتعقيدات؛ فالمغترب الذي يندفع في الانفتاح على مجتمع جديد دون أن يفهم شيئاً من بواطن أموره، قد يصطدم بحواجز لا تُرى، ولهذا فالحذر يحمي من الصدمة، ومن العثرات الأولى في بيئات لا تعذر الغريب بسهولة.
وإذا كان هناك من شيء يحتاج إلى حذر خاص، فإنه في الحقيقة هو (التعاملات المالية) من عقود الإيجار إلى شراء المنازل، وإلى الشراكات في الأعمال؛ حيث إن كثيراً من المغتربين يثقون بسرعة بأبناء البلد الجديد، فيدخلون في اتفاقات غير موثقة، أو يضعون أموالهم في مشروعات لم تُدرس بشكل جيد، وهنا يظهر الحذر بوصفه سلاحاً ضد الخداع، والاستغلال، وقد يقع في رأس قائمة مفردات الحذر عدم الاستعجال في إبرام العقود، والاتفاقيات، واستشارة محامين ثقات، وقراءة العقود بعناية..
هذا الزمان زاخر بألوان من الاحتيال، والاستغفال، وإن كثرة المحامين في كل بلد دليل واضح على كثرة المشكلات.
الحذر قد يكون أكثر من سلاح، قد يكون مفتاح نجاة من هلاك محقق، أو إفلاس يُذل الإنسان، ويعكر حياته.
هذا العالم لا يرحم من لا يأخذ حذره، ويحمي نفسه.
من كتابي : حكمة الأمم