مجهر الصحراء : الأسرة
مظاهر السلوك البشري في الأماكن العامة.
بقلم : د . عبدالكريم بكار.
في دراسة نفسية لافتة حول سلوك البشر في الأماكن العامة، تبيّن أن الإنسان المعاصر عندما يشعر بالحرج أو بالوحدة في مكان عام، يمد يده تلقائياً إلى جيبه ويخرج هاتفه ويتصفحه بنهم، ليس بحثاً عن معلومة، بل ليتدثر بـ “قناع الانشغال المزيف” هرباً من نظرات العابرين.
هذه الملاحظة تلخص أزمة العصر: “الخوف الصامت من غياب الأهمية”.
لقد أصبحنا نعيش في مجتمع يربط قيمة الفرد بحجم حركته، وضجيج حضوره، وضخامة علاقاته، مما جعل “العزلة الاختيارية” أو “الهدوء الصامت” يبدوان كأنهما دليل على الفشل أو النبذ الاجتماعي.
نفسياً، الإنسان الذي لا يحتمل الجلوس مع أفكاره لدقائق دون مشتتات، هو إنسان يعاني من هشاشة داخلية؛ فالشاشات ليست سوى مسكّن مؤقت يداري خلفه فراغاً وجدانياً عميقاً.
هذا التدفق المستمر للاستهلاك البصري يقتل ما يُعرف في الفقه الإسلامي بـ “عبادة الخلوة” أو “الاعتزال الإيجابي”؛ تلك المساحة الزاخرة بالهدوء والتي كان يتفقد فيها المرء قلبه، ويراجع حسابات روحه، ويستعيد توازنه بعيداً عن صخب المظاهر.
يقول الله تعالى في وصف عباده الصادقين: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا}؛ والتبتل هنا هو الانقطاع التام والخلوع من ضجيج الخلق والالتفات للحق، نسيان الأرقام، وإسقاط التكلف، والتحرر من الرغبة في إبهار الآخرين.
استرداد الطمأنينة
إن قوة المرء الحقيقية لا تكمن في قدرته على مجاراة هذا الركض، بل في امتلاكه الشجاعة لـ “الانسحاب المؤقت والمشرف”:
– المشي في الطريق بذهن صافٍ يتأمل الطبيعة والبشر، دون الحاجة لإبراز مظهر المشغول.
– الجلوس في بيئة هادئة ومواجهة الصمت الداخلي وترميمه، بدلاً من الهروب منه إلى عوالم افتراضية باهتة.
الصلابة النفسية والاستقرار الإيماني يولدان من تلك اللحظات الصامتة الصادقة التي يخلو فيها المرء بنفسه؛ فمن تعلّم كيف يجد كفايته وسكينته في ربه وفي باطنه، تحرر للأبد من عبودية الالتفات لعابرين لا يملكون له نفعاً ولا ضراً .