مجهر الصحراء : كتاب الرأي .
إرجاع العداد الى نقطة الصفر
بقلم : د .خالد الصمدي .
الغش ليس مجرد حالة استثنائية ، يرتكبها طالب في مباراة او اختبار في غفلة عن المراقب، للنجاح في الولوج إلى معهد عال للتكوين يفضي إلى مهنة محترمة مأمولة ، يمكن إعادتها بشروط أكثر صرامة ودقة حين يكتشف الخلل، ويحل الإشكال،
الغش ياسادة في مجتمعاتنا أضحى بنية مركبة تخلقت في جيناته منذ وقت مبكر حين ضعف منسوب القيم الجماعية وحضرت عوضها ثقافة الأنانية والسعي إلى الخلاص الذاتي بكل الطرق الممكنة ،
وخفت او اختفت معايير النزاهة وتكافؤ الفرص أو تكاد في الوصول إلى الأهداف المرجوة ، وماتت العديد من الضمائر حين تخلت عن مهامها وتخففت من القيام بواجبها ، ووضعت لذلك ذرائع مختلفة،
والأخطر من كل اختلاط هذه الظاهرة المشينة بالرشوة والزبونية والمحسوبية ، وصولا الى حرص البعض على حمايتها بالقانون ،
فكيف يأمل مواطن في الحد من استفحال ظاهرة الغش والرشوة وهو يرى البعض يساهم في وصول البعض الى مسؤولية تدبيرية فيغتني اعتناء غير مشروع ، او وصول انتهازي الى مقعد في المؤسسة التشريعية ليغلق الباب ويصوت بالرفض على قانون يجرم التبليغ عن الفساد ، ويجمد قانون الاثراء غير المشروع، ويمنع تشكيل لجن لتقصي الحقائق خوفا من كشفها،
وكيف ينشأ طفل على النزاهة وهو يتلقى الأجوبة جاهزة مكتوبة على السبورة في أول اختبار إشهادي ويكتفي بنقلها على ورقة الامتحان بتوجيه بعض من لا ضمير لهم من أجل الرفع من معدلات النجاح منذ المرحلة الابتدائية،
كيف يثق شاب في سوق الشغل او الوصول الى الوظيفة ، أو يبذل مجهودا لبناء مشروع ذاتي ينقذه واسرته من البطالة، ثم يفاجأ بمن كان معه في خط الانطلاق قد وصل إلى محطة الوصول من وراء حجاب ؟
كيف سيتحرك ضمير المواطن تجاه هذا السلوكات وهو يتلقى خطابا دينيا رسميا يكاد يخلوا من التحذير من الظواهر السلبية التي تنخر المجتمع والقرآن الكريم مليء بالتحذير من السلوكات المؤذنة بخراب العمران ومنها الغش والرشوة وأكل مال اليتيم والسحت ، والظلم وخيانة الأمانات والسرقة وغيرها ، وكأنها مساحة لا يجوز لهذا الخطاب الاقتراب منها ليكون ( خطابا حكيما) ،
كيف سيتحرك ضمير شاب يغرقه الإعلام بكل أصنافه في الإنتهازية والوصول إلى المال بطرق لا علاقة لها بالجهد الفكري والثقافي والديني والاجتماعي والاقتصادي ، وهو يرى الإعلام الرسمي يرمز فاشلا ويجعل منه نموذجا للاقتداء يفتح أمامه الفضاءات في المهرجانات وتسخر له السيارات والحراسات والأضواء ،
وكأن هذه الجهات تقول لهؤلاء الشباب إنكم بدراستكم وجدكم واجتهادكم تسلكون الطريق الخطأ ، وأن النجاح في كسب المال لا يحتاج الى كل هذا الجهد و المسار الطويل الذي ” يسلكه الاغبياء ” ،
يكفي ان تتجرأ فتسمي نفسك” سلكوطا” لتكسير الطابوهات ، أو تفتح لنفسك فضاء افتراضيا تملؤه بالجرأة على القيم والاخلاق وتكسير الطابوهات لتنهمر عليك الأموال من كل الجهات ،
إن مجتمعا ترسخت فيه هذه الاشكالات لا يحتاج الى إعادة مباراة من المباريات ، بقدر ما يحتاج الى إرجاع العداد الى نقطة الصفر ، والاشتغال بضمير جماعي لانقاذ ما يمكن إنقاذه
فالمجتمع لا يخلو من خير ،
جمعة مباركة