المناخ الإيجابي لبناء هوية الطفل
د.عبدالكريم بكار
يحكى أنَّ رجلاً من أهل الفضل، كان يملك بستاناً صغيراً، فبذل فيه من الجهد والسماد والسقي ما لم يبذله أحد، لكنَّ نبتته ظلت شاحبة، ذابلة، لا تكاد تبين. وفي المقابل، كان هناك بستانٌ آخَر في الطرف الآخَر من المدينة، لا يبذل صاحبه نصف ذلك الجهد، لكنَّ أشجاره كانت باسقة، ثمارها يانعة، وظلالها وارفة. حين سُئل الحكيم عن السر، لم ينظر إلى النبتة، بل نظر إلى (المناخ) المحيط بها؛ فقال: “إنَّ البذرة صالحة، لكنَّ الرياح التي تهبُّ عليها مسمومة، والتربة التي تجاورها مالحة، فكيف لها أن تستقيم؟”.
هذه الحكاية هي اختصارٌ لقصة (الحي السكني) في حياة الإنسان وأبنائه؛ فكثير من الآباء يبذلون جهداً مضاعفاً في النصيحة والتربية داخل البيت، لكنهم يغفلون عن “الرياح” التي تهبُّ على أبنائهم بمجرد خروجهم من عتبة الدار.
مشهد الهوية: من يربي من؟
تبدأ القصة حين يخرج الطفل إلى رصيف الحي؛ هناك يبدأ “المنهاج الخفي” في العمل. إنَّ الحي الذي يضجُّ بلغةٍ رصينة، وتُحترم فيه الجيرة، وتُقدس فيه أوقات السكينة، يمنح الطفل (تطعيماً أخلاقياً) دون كلام. يرى الطفل جاره يبتسم، ويرى الشباب يتسابقون نحو المسجد عند سماع النداء، ويرى النظام في كل زاوية؛ فيتشرب “الاستقامة” كأنها هواءٌ يتنفسه. وفي هذه البيئة، يجد الوالدان أنَّ مهمتهما قد أصبحت يسيرة؛ لأنَّ الحيَّ قد تحول إلى (مُربٍ صامت) يسند أقوالهما بالأفعال.
مشهد الصراع: حين يسرق الحيُّ جهود الدار
وعلى المقلب الآخر، تبرز قصة الأسرة التي اختارت السكن بناءً على “بريق السعر” أو “فخامة الجدران” فقط، متغافلةً عن (هوية الجيران). هناك، يجد الأب نفسه في “معركة استنزاف”؛ فما يبنيه في ساعة، يهدمه رفاق الحي في لحظة. لغةٌ هابطة، اهتماماتٌ سطحية، وضجيجٌ يقتل التركيز. هنا تتحول التربية إلى (دفاعٍ مستمر) بدلاً من (بناءٍ مثمر)؛ فينشأ الأبناء في صراعٍ بين “قيم المنزل” و”واقع الشارع”، وكثيراً ما تغلب قسوة الواقع رقة الموعظة.
مشهد الثمرة: الرفقة كـ “قَدَرٍ” يُختار
تستمر الحكاية لتصل إلى مرحلة الشباب؛ فالحي هو الذي يرسم (خارطة الرفقة). إنَّ السكن في حيٍّ يسكنه أهل الهمم والعلم والعمل، يعني أنَّ “سقف الطموح” لدى الأبناء سيكون مرتفعاً بالضرورة. إنَّ رؤية النماذج الناجحة في الحي بشكلٍ يومي، يحول النجاح من “أمنية بعيدة” إلى “واقعٍ ممكن”. إنَّ المرء لا يختار جيرانه فحسب، بل يختار (المستشارين والمؤثرين) الذين سيشكلون وعي أبنائه في أخطر مراحل عمرهم.
الخلاصة :
إنَّ اختيار الحي السكني ليس مجرد “قرار مالي”، بل هو قرارٌ يخصُّ (الرشد التربوي) وسلامة البناء النفسي. إنَّ السكن في محيطٍ يعين على الخير ويُذكر بـ رضا الله ومعالي الأمور، هو نصف الطريق نحو تربيةٍ ناجحة. فقبل أن تسألوا عن مساحة الغرف وتصميم النوافذ، اسألوا عن (الأرواح) التي تسكن خلف الجدران، وعن (القيم) التي تملأ السكك؛ فالإنسانُ ينمو بمحيطه، والبيوتُ الصالحة هي التي تُبنى في أحياءٍ صالحة.