الحلقة الثانية والعشرون : تنبيه لابد منه: لا للصمت على الانزلاقات
– يجب قول الحقيقة مهما كانت مرة. ويجب تقبلها بصدر رحب – ولكن لا للتهويل، ولا للتعميم ولا للتشكيك.
اعداد، المهندس عبدالله ايت شعيب.
يوم الخميس 12 فبراير 2026.
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أهلنا الكرام في الصحراء المغربية،
إخواننا في مخيمات تندوف،
إخوتي وأخواتي في ربوع الوطن وخارجه،
*توضيح تمهيدي حول عنوان الحلقة:*
حين اخترنا لهذه الحلقة عنوان: *“تنبيه لا بدّ منه: لا للصمت على الانزلاقات – يجب قول الحقيقة مهما كانت مرة ويجب تقبلها بصدر رحب – ولكن لا للتهويل، ولا للتعميم ولا للتشكيك”،* فإن المقصود به إطلاق دعوة أخوية صادقة ومسؤولة للتأمل الهادئ في جوهر السؤال الذي شكل العمود الفقري لهذه السلسلة: *من المسؤول عن استمرار النزعات الانفصالية بعد خمسين سنة من استرجاع الأقاليم الجنوبية؟.*
هي دعوة إلى التعامل بجدية مع التحليل والتوصيات والمقترحات والتنبيهات التي تم إعدادها بعناية فائقة، حسب تقديري، وطُرحت منذ انطلاق هذه الحلقات، لا بوصفها انتقادات سلبية، بل باعتبارها مساهمة فكرية وطنية صادقة تسعى إلى فهم مكامن الخلل، وتعزيز مكامن القوة، وتحويل النقد الذاتي إلى رافعة للإصلاح والتحصين.
إنها دعوة نابعة من روح أخوية صادقة، ومن قناعة راسخة بأن الأوطان لا تُبنى بالصمت على الاختلالات ولا بالمجاملات، ولا تُحصَّن بإنكار الأسئلة الصعبة، بل بالحوار المسؤول، والاستماع المتبادل، والشجاعة في مواجهة الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، في إطار من الثقة والوحدة والولاء للوطن.
اخواني واخواتي الكرام،
لقد حاولنا، عبر هذه السلسلة من “نداء الضمير الوطني”، أن نمارس واجب النصح وواجب الشهادة الفكرية والوطنية، وأن نفتح نقاشًا صريحًا حول سؤال مؤلم لكنه ضروري: *من المسؤول عن استمرار النزعات الانفصالية بعد خمسين سنة من استرجاع الأقاليم الجنوبية؟*
همسنا في آذان إخواننا في الصحراء المغربية وفي مخيمات تيندوف، وتناولنا دور الدولة والمؤسسات، والمجالس المنتخبة، وشيوخ القبائل والأعيان، والنسيج الجمعوي، والإعلام، والأحزاب السياسية، والنخب الفكرية والثقافية.
سعينا إلى تفكيك عوامل الضعف، وتشخيص الاختلالات، واقتراح توصيات عملية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن قضية الصحراء ليست ملفًا إداريًا أو دبلوماسيًا فحسب، بل هي قضية وعي وانتماء وثقة ومصير مشترك.
واليوم، ونحن نصل إلى هذه الحلقة التنبيهية، يصبح لزامًا علينا أن نقول كلمة حق للتاريخ، وأن نؤكد أن الصمت عن الانزلاقات ليس حكمة، بل تفريط في الأمانة الوطنية، وأن الحقيقة، مهما كانت مرة، تبقى الطريق الوحيد للإصلاح والتحصين.
* *تنبيه لا بدّ منه: قول الحقيقة واجب وطني وأخلاقي:*
بعد كل ما تقدم من نداءات وتساؤلات ونقد لبعض أوجه القصور في معالجة ملف الصحراء المغربية، وبروح وطنية وأخوية صادقة، وبالجرأة التي تفرضها الأمانة التاريخية، وبعدما قدمناه من توصيات واقتراحات عملية، يجب التأكيد بكل وضوح ومسؤولية على أن بعض المظاهر المحدودة لدى فئة قليلة من أبناء الصحراء – سواء كانت نزعات انفصالية، أو سلوكات انحرافية، أو خطابات هدّامة – لا يُقصد بها التهويل، ولا التعميم، ولا التشهير، ولا التشكيك في وطنية مجتمع صحراوي وطني أصيل ضحّى ولا يزال يضحي من أجل مغربية الصحراء.
إن الهدف الأساس من هذا التنبيه هو محاصرة هذه الانزلاقات في بداياتها، قبل أن تستفحل وتتحول إلى واقع يصعب احتواؤه.
فالسنن الاجتماعية تشبه سنن الطبيعة:
* تكفي بذرة واحدة من نبات ضار إذا تُركت دون اجتثاث، لتغزو حقولًا واسعة وتفسد محاصيل بأكملها.
* وكما في الأمراض الخبيثة، حيث يكون الاكتشاف المبكر والعلاج في بداياته سبيل النجاة، بينما يؤدي الإهمال إلى استفحال الداء واستعصائه.
* *كذلك هي الأفكار الهدّامة: تبدأ هامشية، ثم تتسلل في صمت، وتكبر في الظل، حتى تتحول إلى خطر جماعي يهدد النسيج المجتمعي برمّته، إن لم تُواجَه منذ بداياتها بالوعي، والتربية، والاحتواء الحكيم، والحزم المسؤول.*
من هذا المنطلق، يصبح التنبيه المبكر واجبًا مزدوج الأبعاد:
* حماية المواطن الصحراوي، وخاصة الشباب، من الانجرار خلف أوهام وخطابات مضللة تُغريه بشعارات جوفاء، لكنها تقوده إلى التيه والضياع والارتهان لمشاريع خارجية لا ترى فيه سوى ورقة ضغط.
* صيانة وحدة الوطن والمستقبل المشترك للأجيال القادمة، لأن الانقسام لا يدمّر الحاضر فقط، بل يرهِن المستقبل، ويحوّل الوطن إلى ساحات صراع بدل أن يكون فضاء أمل وتنمية وكرامة.
فالوطنية ليست صمتًا على الخطأ، بل شجاعة في تصحيحه، وليست ترديدًا للشعارات، بل حماية حقيقية للوطن من الأخطار الفكرية والاجتماعية والسياسية.
كما أن السكوت تفريط، والمواجهة المبكرة عين الوطنية.
* *من التحذير إلى استراتيجية وطنية شاملة:*
بهذه الروح، يتحول هذا التنبيه من مجرد تحذير عابر إلى واجب وطني جماعي، يربط بين الأفعال الفردية والجماعية، ويجعل المواجهة المبكرة للأخطار الفكرية والاجتماعية جزءًا من استراتيجية وطنية شاملة تقوم على:
* التربية على المواطنة والانتماء،
* العدالة المجالية والاجتماعية،
* إشراك الشباب والكفاءات في القرار،
* ترسيخ خطاب وطني جامع يحترم الكرامة الإنسانية،
* بناء سردية مغربية صحراوية حديثة قادرة على مخاطبة العقل والقلب معًا.
وبذلك، فإن التنبيه إلى الانزلاقات الفكرية والاجتماعية ليس هدفًا في حد ذاته، بل هو مدخل ضروري لبناء استراتيجية وطنية شاملة تحصّن الوحدة الوطنية وتعزّز الثقة بين المواطن ومؤسساته.
كما وجب التذكير بان مواجهة النزعات الانفصالية لا تختزل في المقاربة الأمنية أو الدبلوماسية، بل تبدأ من ترسيخ الوعي بالمواطنة، وتحقيق العدالة المجالية، وبناء خطاب وطني جامع يكرّس الانتماء ويعزّز الثقة في المشروع الوطني.
كما أن الوطن الذي يراجع ذاته ويصحّح مساراته بشجاعة هو الوطن القادر على حماية وحدته وتأمين مستقبل أجياله.
ومن هذا المنطلق، فإن هذه الحلقة تشكّل دعوة هادئة ومسؤولة إلى اليقظة الوطنية وإلى تحويل النقد الذاتي إلى قوة إصلاحية بنّاءة.
وفي الحلقة الموالية والأخيرة، سنتوقف عند تنبيه وطني أخير، فرضه تعليق مستفز، حين كتب أحدهم، ساخرًا ومستخفًّا، معلقًا على إحدى حلقات هذه السلسلة:
*”مسكين، شغله الشاغل هو الصحراء وكأنه من أبنائها أو سيستفيد منها”،*
لندرك أن معركة الصحراء ليست فقط معركة حدود ودبلوماسية وقرارات دولية، بل هي قبل ذلك معركة وعي يجب الا تتوقف، ومعركة تعريف لمعنى الوطن والانتماء والمسؤولية المشتركة.