🇲🇦*الحلقة السابعة عشرة : توصيات ومقترحات موجّهة للنسيج الجمعوي بالأقاليم الجنوبية .
اعداد، المهندس عبدالله ايت شعيب
💎*النسيج الجمعوي قوة ناعمة لتحصين الانتماء.*💎
يوم الأربعاء 04 فبراير 2026.
* *مقدمة:*
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخوتي وأخواتي في ربوع الوطن وخارجه،
أهلنا الكرام في الصحراء المغربية،
إخواننا في مخيمات تندوف،
بعد أن تناولنا في الحلقة السادسة عشرة الدور المحوري لشيوخ القبائل والأعيان باعتبارهم حَمَلة الشرعية الاجتماعية والذاكرة الجماعية، يتبيّن بوضوح أن معركة تحصين الوحدة الترابية لا تُحسم فقط بالقانون والمؤسسات، ولا بالشرعية التقليدية وحدها، بل تتطلب كذلك فاعلًا مدنيًا حديثًا قادرًا على تحويل القيم إلى برامج، والوعي إلى ممارسة، والانتماء إلى سلوك يومي منظم.
لقد أكدنا أن الشرعية الاجتماعية تمثل جسر الثقة بين الدولة والمجتمع، غير أن هذه الشرعية تحتاج إلى أذرع مدنية منظمة تُترجم الخطاب إلى فعل، وتؤطر الأجيال الصاعدة ضمن مقاربات تربوية وثقافية وتطوعية حديثة.
وهنا يبرز النسيج الجمعوي باعتباره الحلقة الوسطى بين القبيلة والمؤسسة، وبين المواطن والسياسة العمومية، وبين الوعي الفردي والعمل الجماعي المنظم.
فالعمل الجمعوي، وفق فلسفة الدستور والديمقراطية التشاركية، ليس نشاطًا هامشيًا أو مكملًا شكليًا، بل هو ركيزة أساسية في بناء المواطنة، ومدرسة لإنتاج النخب المحلية، وفضاء لتشكيل الوعي الجماعي، وخط دفاع ناعم ضد الاختراقات الفكرية والرمزية التي تستهدف الشباب والهوية الوطنية.
ومن هذا المنطلق، تُخصَّص هذه الحلقة السابعة عشرة لجملة من التوصيات والمقترحات الموجَّهة إلى النسيج الجمعوي بالأقاليم الجنوبية، باعتباره فاعلًا استراتيجيًا في معركة الوعي والانتماء، وشريكًا للدولة والمجتمع في تحصين الجبهة الداخلية، وترسيخ الوحدة الوطنية عبر التأطير المدني والتربوي والثقافي والتنموي والإعلامي.
*توصيات ومقترحات موجّهة للنسيج الجمعوي بالأقاليم الجنوبية:*
يُشكّل النسيج الجمعوي، وفق ما يقرّه الدستور وتؤطره فلسفة الديمقراطية التشاركية، إحدى الدعائم الأساسية في بناء الوعي المجتمعي، ورافعة مركزية للتأطير المدني، وفضاءً وسيطًا بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ومن هذا المنطلق، فإن مسؤوليته في تحصين الانتماء الوطني، وتعزيز التماسك الاجتماعي، ومواجهة النزعات الانفصالية، ليست مسؤولية ظرفية أو ثانوية، بل هي مسؤولية استراتيجية ذات بعد سيادي، لا تحتمل التهميش ولا الاختزال.
وانطلاقًا من هذا الوعي، يُنتظر من الجمعيات، خاصة بالأقاليم الجنوبية، أن تضطلع بالأدوار التالية:
• *الانتقال الواعي من منطق الأنشطة الموسمية والاحتفالية إلى منطق البرامج التأطيرية المستدامة*، لا سيما الموجهة للشباب والأطفال، والتي تدمج البعد الوطني والهوياتي ضمن مقاربات تربوية وثقافية وتطوعية حديثة، تُخاطب العقل والوجدان، وتُحوّل الانتماء من خطاب نظري إلى ممارسة يومية.
• *القطع الصريح مع كل أشكال التوظيف الريعي أو الانتهازي للعمل الجمعوي*، لما لذلك من أثر مباشر في تقويض المصداقية وإفراغ التأطير من محتواه، إذ لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح في ظل جمعيات فقدت ثقة محيطها، أو اختزلت رسالتها في منطق الامتياز بدل الالتزام.
• *المساهمة الفعالة في تفكيك الخطاب الانفصالي داخل الفضاءات الاجتماعية والشبابية*، اعتمادًا على الحجة والمعرفة، والتجربة الميدانية، والإنصات الواعي، لا بمنطق التخوين أو الإقصاء، لأن معركة الانتماء تُربح بالإقناع وبناء الثقة، لا بالمواجهة العقيمة.
• *تعزيز الحضور المكثف والمنظم داخل المؤسسات التعليمية والثقافية، ودور الشباب، وفضاءات المرأة،* عبر برامج منتظمة تُعنى بتاريخ الوطن، وقضاياه المصيرية، وقيم المواطنة، وتُسهم في سدّ الفراغ التأطيري الذي كثيرًا ما تستغله السرديات المغلوطة والخطابات الهدّامة.
• *إرساء شراكات مؤطرة وفعالة مع المؤسسات التعليمية، والجماعات الترابية، والمصالح اللاممركزة*، في إطار تعاقدي واضح وشفاف، يربط الدعم العمومي بالأهداف والنتائج، ويقيس الأثر المجتمعي الحقيقي بدل الاكتفاء بالمؤشرات الشكلية.
• *الانخراط الجاد في تأطير الأسر،* خاصة داخل الأحياء الهشة، باعتبار الأسرة النواة الأولى في بناء الوعي والانتماء، وأي خلل في هذه الحلقة ينعكس مباشرة على مسار الطفل والشاب، وعلى علاقته بوطنه ومؤسساته.
• *خلق شراكات وتوأمات بين جمعيات الأقاليم الجنوبية ونظيراتها بمختلف جهات المملكة،* بهدف تعزيز التواصل الوطني، وكسر العزلة النفسية والمجالية، وتمكين الشباب والأطفال من الاحتكاك المباشر بإخوانهم في باقي ربوع الوطن، عبر برامج تبادل ثقافي وتربوي.
• *تنظيم مخيمات وطنية، ورحلات تربوية، وبرامج اندماجية خارج الأقاليم الجنوبية*، نحو مناطق مثل تغازوت بأكادير، وإفران، وتطوان، وغيرها من المدن المغربية، بما يسمح للشباب الصحراوي بمعايشة التنوع الجغرافي والثقافي للمملكة، وترسيخ الإحساس بالوحدة في إطار التعدد، والانتماء في سياق الامتداد الوطني.
• *العمل، في إطار إنساني ومسؤول، على خلق جسور التواصل مع أبنائنا بمخيمات تندوف*، عبر مبادرات مدنية وأسرية وثقافية، تُعيد وصل ما انقطع من صلة الرحم، وتُحيي الروابط العائلية والقبلية والوجدانية، وتفتح فضاءات للحوار الهادئ والصادق، القائم على التعريف بحقائق الوطن، وبمشاريع التنمية، وبآفاق الاندماج الكريم داخل المغرب.
• *المساهمة في إقناع أبناء المخيمات، بالحكمة والصبر وحسن الخطاب، بجدوى العودة الطوعية إلى حضن الوطن، والتخلي عن نزعات الانفصال،* من خلال إبراز أن الوطن ليس مجالًا جغرافيًا فحسب، بل فضاء للكرامة، وللحقوق، وللمشاركة في البناء المشترك، وأن المستقبل لا يُبنى في القطيعة، بل في المصالحة مع الذات ومع التاريخ.
إن الرهان على النسيج الجمعوي ليس رهان عدد أو تمويل، بل رهان وعي ورسالة ومسؤولية. فالجمعيات، حين تؤدي دورها بصدق، تصبح خط الدفاع الأول عن الوحدة الوطنية، وجسرًا إنسانيًا يعيد اللحمة، ويُغلق منافذ التفرقة، ويُحوّل العمل المدني إلى قوة ناعمة تخدم الوطن في العمق، لا في الظاهر فقط.
أهلنا الكرام في الصحراء المغربية،
لقد بيّنت هذه الحلقة أن النسيج الجمعوي ليس مجرد فضاء للنشاط الاجتماعي أو الخيري، بل هو ركيزة استراتيجية في بناء الوعي الوطني، ومدرسة للمواطنة الفاعلة، وأداة حيوية لتحويل الانتماء من خطاب سياسي إلى ممارسة يومية وسلوك اجتماعي راسخ.
فالعمل الجمعوي، حين يتحرر من منطق الريع والموسمية، ويتحول إلى فعل تأطيري مستدام، يصبح خط الدفاع الأول عن الوحدة الوطنية، وجسرًا إنسانيًا يعيد اللحمة، ويُغلق منافذ الاختراق الفكري والرمزي، ويُسهم في صناعة أجيال مؤمنة بوطنها، منخرطة في بنائه، وواعية بتحدياته ورهاناته.
غير أن أي جهد جمعوي، مهما بلغ من عمق وتأثير، يظل محدود الأثر إن لم يُواكَب بخطاب إعلامي مهني ومسؤول، قادر على إيصال الرسائل، وتصحيح التمثلات، وتفكيك السرديات المغلوطة، وبناء الثقة بين المواطن ومؤسساته. فالجمعيات تُنتج المعنى على الأرض، والإعلام يُعيد إنتاجه في الوعي الجماعي، ويمنحه الامتداد الرمزي والوطني.
ومن هنا، ننتقل في *الحلقة الثامنة عشرة* إلى فاعل لا يقل أهمية في معركة الوعي والانتماء، وهو *وسائل الإعلام والتواصل المحلية*، باعتبارها صانعًا رئيسيًا للتمثلات الاجتماعية، وفاعلًا مركزيًا في تشكيل الرأي العام، وخط دفاع معرفي ورمزي في مواجهة النزعات الانفصالية والخطابات الهدّامة .