في_رحاب_الأسماء_الحسنى…الله : الحكم الحكيم
اعداد : د.عبدالكريم بكار
لماذا يشعر الإنسان أحياناً بنوع من الاغتراب في هذا العالم، رغم كل ما فيه من حركة وضجيج؟
ولماذا يسكن القلق أرواحنا حين نرى أحداثاً تسير على عكس ما نرجو، أو حين نشعر أن ظلماً وقع ولم يعد الحق إلى أصحابه؟
ربما لأن الإنسان —في لحظات كثيرة— ينسى حقيقة بسيطة وعميقة:
أنه ليس الحَكَم الأخير في هذه الحياة.
فالتيه الحقيقي لا يبدأ من ضياع الطريق، بل من ضياع المرجعية التي نحتكم إليها حين تختلط علينا الأمور.
ولهذا نتأمل اليوم اسمين عظيمين من أسماء الله الحسنى:
الحَكَم و الحكيم.
وحين يرسخ الإيمان بهذين الاسمين في القلب، تتغير نظرة الإنسان إلى الحياة، ويتجلى أثر ذلك في ثلاثة أبعاد:
1. الانفرادُ بالحكم: التحررُ من استعباد “الأهواء”
يأتي اسم الله (الحَكَم) ليقطع دابر الحيرة؛ فكما أنك لا تتخذ رباً سواه، فليس لك أن تتخذ “حكماً” سواه. إنَّ مأزق الإنسان المعاصر يكمن في خضوعه لتقلبات القوانين البشرية، بينما العزة تكمن في الاستسلام لـ (حكم الله). ويتضح هذا في “هندسة التشريع”؛ فحين أمر الله ببر الوالدين أو حرّم الظلم، لم تكن أحكاماً عشوائية، بل هي قوانين صيانة للنفس والمجتمع. فالحلالُ ما أحلَّه، والحرامُ ما حرَّمَه، والدينُ ما شرعَه، وهو سبحانه “خير الحاكمين” الذي لا يُعقب أحدٌ على قضائه.
2. الحكمةُ البالغة: حين يكون “الإتقان” روحاً للفعل
إذا كان (الحَكَم) هو الذي يقضي، فإنَّ (الحكيم) هو الذي يضع الأمور في مواضعها الصحيحة بمنتهى الإتقان. وتأمل معي في خفايا “المنع والعطاء”؛ قد يسعى أحدنا بكل قوته لانتزاع فرصة يراها باباً للنجاح، فتُغلق دونه رغم بذل السبب. هنا يتدخل الإيمان بـ (الحكيم)؛ فالمؤمن لا يرى في المنع حرماناً، بل يراه “عنايةً”. تماماً كالأم الحكيمة التي تمنع طفلها الحلوى لمرضٍ يعلمه الطبيب ويجهله الطفل؛ فاللهُ (الحَكَم) قضى بالمنع، و(الحكيم) صَرفَ عنك شراً لم تبصره عيناك.
3. السكينةُ في الرضا والامتثال
الإيمان بأنَّ الله هو (الحَكَم الحكيم) يثمر حالةً من “الاستسلام الواعي” في مواجهة موازين العدل المفقودة. فحين ترى ظالماً يستعلي أو صاحب حقٍ يُهضم حقّه، تذكر أنَّ (أحكم الحاكمين) يؤخر الحكم ليجمع الخصوم في محكمةٍ لا يغيب عنها شاهد. هذا اليقين يمنح المظلوم السكينة لِيُكمل حياته دون أن يحترق بمرارة الحقد. إنَّ حياتنا ليست (فوضى)، بل هي “لوحةٌ” يرسمها (حكيمٌ) يضع كل لونٍ في مكانه الصحيح، وإن لم نفهم تداخل الألوان في حينها.
ختاماً..
إنَّ تعظيمنا لهذا الاسم يقتضي منا ألا ننازعه في خصائص حكمه؛ لذا كان النهي النبوي عن التكني بـ “أبي الحكم”، لأنَّ السيادة المطلقة في القضاء هي له وحده سبحانه. فلنجعل من هذه المعرفة ميثاقاً جديداً؛ نُحكّم فيه شرع الله في أفعالنا، ونرضى بحكمته في أقدارنا، ونبذل الأسباب في تحصيل الحكمة بالعلم والعمل، لنعيش في كنف (الحكيم الخبير) آمنين مطمئنين، بإذن الله .