🇲🇦🇲🇦 نداء الضمير الوطني: من المسؤول عن استمرار النزعات الانفصالية بعد خمسين سنة من استرجاع الأقاليم الجنوبية؟ 🇲🇦🇲🇦
اعداد : المهندس عبدالله ايت شعيب.
🇲🇦 الحلقة التاسعة: الأسئلة أكثر إلحاحًا وحساسية في هذا السياق الوطني الدقيق: لماذا بعد خمسين سنة من المسيرة الخضراء نرى أطفالًا وشبابًا من أصول صحراوية – نحسبهم مغاربة بالانتماء والوجدان – يُشجّعون فرقًا رياضية تواجه الفريق الوطني المغربي؟
يوم الإثنين 26 يناير 2026.
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخوتي وأخواتي في ربوع الوطن وخارجه،
أهلنا الكرام في الصحراء المغربية،
بعد أن توقفت الحلقة الثامنة عند مسؤولية القبيلة وشيوخها ووجهائها في تحصين الوعي الوطني ولمّ الشمل الأسري، وانتقلت بالمساءلة من فضاء المؤسسة إلى عمق البنية الاجتماعية، يفرض الواقع نفسه بسؤال أكثر إزعاجًا وأقرب إلى اليومي والمعيش.
ذلك أن اختلال الوعي لا يظهر دائمًا في المواقف السياسية الصريحة، بل يتسلّل أحيانًا في سلوكيات تبدو بسيطة وعفوية، لكنها تحمل دلالات رمزية خطيرة إذا ما تكرّرت داخل فضاءات التنشئة الأولى، وعلى رأسها المدرسة.
ومن هنا، تأتي الحلقة التاسعة لتسلّط الضوء على واحدة من أخطر الإشارات المبكرة والصامتة في آنٍ واحد؛ إشارة قد تبدو عابرة في ظاهرها، ومحدودة في قلة، لكنها في عمقها علامة استفهام وطنية كبرى.
ذلك حين يتحوّل التشجيع الرياضي لدى بعض التلاميذ والأطفال والشباب من مجرّد سلوك عفوي إلى مؤشر رمزي على اختلالات أعمق في التنشئة، وفي بناء الانتماء، وفي تمثّل الهوية الوطنية داخل الأسرة، وفي الفضاء المدرسي، وفي المحيط الرياضي، بعد خمسين سنة من إشرافنا على مؤسسات التربية والتعليم.
وهي إشارة لا يجوز التقليل من شأنها، لأنها إشارة إلى فشل مؤسساتنا، ومرآة صادقة لما يتسرّب بصمت إلى وعي الأجيال الناشئة، وإنذار مبكر بتصدّعات في الوجدان الوطني، إذا أُهملت اليوم، قد تتحوّل غدًا إلى أزمات أعمق وأعقد.
وبالتالي، فإن الأدهى مما ذكرناه في الحلقات السابقة، بل والأكثر إيلامًا، أن نُلاحظ أحيانًا -ولو في حالات محدودة لكنها دالّة- بوادر توتّر صامت، أو مشاعر نفور مكتومة، وأحيانًا معلنة، بين تلاميذ منحدرين من مدن الداخل، وتلاميذ من أصول صحراوية، داخل مدننا الصحراوية نفسها. وهو معطى لا يجوز الاستهانة به، لأن المدرسة ليست مجرد فضاء للتعلّم، بل مرآة دقيقة لما يعتمل في المجتمع من تحولات وتمثلات.
*أيعقل، بعد خمسين سنة من إشرافنا على المؤسسات التعليمية، أن نرى أطفالًا وشبابًا من أصول صحراوية – نحسبهم مغاربة بالانتماء والوجدان – ُشجّعون فرقًا رياضية تواجه الفريق الوطني المغربي؟*
*وهل يمكن اختزال هذا السلوك في “نزوة رياضية” بريئة، أم أنه مؤشر رمزي على خلل أعمق في بناء الانتماء، وفي ترسيخ المشترك الوطني داخل الوجدان الناشئ؟*
إن هذه الظواهر، مهما بدت هامشية، تطرح أسئلة جوهرية لا يجوز الهروب منها:
• *هل نحن أمام قصور في آليات التأطير التربوي داخل المدرسة، التي يفترض أن تكون فضاءً جامعًا لا مُفرِّقًا، وحاضنة للهوية الوطنية لا محايدة إزاءها؟*
• *أم أننا بصدد خلل في أدوار الأسرة، التي لم تعد وحدها قادرة على مواكبة التحولات القيمية والنفسية المتسارعة التي يعيشها الأبناء؟*
• *أم أن المؤسسات التعليمية، والإعلام، والجمعيات، والأحزاب، بل وحتى القبائل وشيوخها ووجهاءها، لم تُواكب بما يكفي التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع الصحراوي، خاصة في صفوف الشباب؟*
• *أم أن الأمر هو نتيجة تراكمات نفسية وهوياتية معقّدة، غذّتها عقود من النزاع المفتعل، والدعاية الانفصالية الممنهجة، وغياب مقاربات ميدانية مستدامة تخاطب الشباب بلغتهم، وتفهم أسئلتهم، وتُصغي لهواجسهم بدل الاكتفاء بإسكاتها؟*
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في السلوك ذاته، بل في تجاهله أو التقليل من دلالاته. فالأفكار لا تولد مكتملة، والانتماءات لا تنهار فجأة، بل تتآكل بصمت حين يُترك الفراغ التربوي والثقافي دون ملء، وحين يُترك الشباب فريسة لخطابات انفصالية، أو هويات بديلة، أو سرديات مضللة تُقدَّم له باعتبارها “أكثر صدقًا” من الخطاب الرسمي.
ومن هنا، فإن معالجة هذه الظواهر لا تكون بالوصم، ولا بالتخوين، ولا بالقمع، بل بإعادة الاعتبار لوظيفة المدرسة، والأسرة، والإعلام، والعمل الجمعوي، والقبيلة، باعتبارها جميعًا خطوط دفاع أولى عن الوحدة الوطنية في بعدها الإنساني والوجداني، قبل بعدها القانوني والسياسي.
فالانتماء لا يُفرض بالقوة، ولا يُلقَّن بالشعارات، بل يُبنى بالصبر، وبالقدوة، وبالإنصاف، وبخطاب صادق يُقنع العقل ويُطمئن القلب.
وإذا كان الوطن قد انتصر في معاركه الدبلوماسية، فإن معركة الوجدان لا تزال مفتوحة، ولن تُحسم إلا حين يشعر كل طفل، وكل شاب، أن المغرب ليس فقط خريطة تُدرَّس، بل بيتًا يُحبّ، وهويةً يُعتزّ بها، ومستقبلًا يُراهن عليه.
ختاما، إذا كانت هذه الحلقة قد توقّفت عند مؤشّر رمزي يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه عميق الدلالة في جوهره، فإن الغاية لم تكن تضخيم سلوك رياضي عابر، ولا توجيه الاتهام إلى فئة بعينها، بقدر ما كانت محاولة لقراءة ما وراء السلوك، والإنصات إلى ما يقوله الصمت حين يعجز الخطاب المباشر عن التعبير.
لقد بيّنت هذه الحلقة أن اختلال الوعي الوطني لا يبدأ دائمًا من الشعارات السياسية الصريحة، بل قد يتسلّل في تفاصيل الحياة اليومية، وفي فضاءات التنشئة الأولى، حين يُترك الفراغ القيمي دون تأطير، ويُترك الشباب دون خطاب صادق يُقنعهم، ودون قدوة تُطمئنهم، ودون مشروع وطني يشعرهم بأنهم جزء منه لا مجرّد موضوع فيه.
غير أن الاكتفاء بتشخيص هذه الظواهر السلوكية والتربوية، مهما كان ضروريًا، يظلّ ناقصًا إن لم ننتقل إلى طرح السؤال الأصعب:
*هل نحن أمام اختلالات عفوية فقط؟*
*أم أن استمرار هذا الالتباس في الوعي والانتماء يجد له، في بعض الأحيان، من يستفيد منه، أو يتغذّى عليه، أو يتواطأ مع بقائه؟*
من هنا، يصبح الانتقال إلى *الحلقة العاشرة* انتقالًا طبيعيًا وضروريًا، لا بدافع الشك المجاني، ولا بروح الاتهام، بل وفاءً لواجب الصراحة مع الذات، واستجابة لنداء الضمير الوطني، الذي يفرض علينا أن نسأل:
*ألا توجد جهات، أو أطراف، أو شبكات مصالح، ترى في استمرار هذا الوضع الملتبس مصلحةً لها؟*
ذلك ما سنحاول الاقتراب منه في الحلقة العاشرة، بهدوء ومسؤولية، وبالاستناد إلى المرجعيات الوطنية الصريحة، وفي مقدّمتها *التنبيه الملكي الواضح*، لأن معركة الوعي لا تُحسم إلا حين نجرؤ على مساءلة الخلل في كل مستوياته، الظاهرة والخفية، التربوية والسياسية، العفوية والمقصودة.
فإلى الحلقة العاشرة، إن شاء الله، حيث نغادر دائرة السلوك إلى دائرة المصالح، وننتقل من سؤال التربية إلى سؤال الاستفادة من استمرار الالتباس، دون تخوين، ودون مجاملة، وفاءً لوطنٍ لا يستحقّ منا إلا الحقيقة كاملة.