من_وثيقة 1907 إلى نيران اليوم.. هل ينهار “مخطط_كامبل” في شوارع_طهران؟
اعداد: د.عبداللطيف مشرف
عقيدة “كامبل بانرمان”: من هندسة التفتيت التاريخي إلى مخاض استعادة الشرق وفرض دور الأمة التاريخي:
تقديم : “الخطيئة الكبرى” وهندسة الجغرافيا السياسية:
لم يكن مؤتمر لندن، الذي استمر لعامين (1905-1907) برئاسة رئيس الوزراء البريطاني ” هنري_كامبل بانرمان”، مجرد اجتماع دبلوماسي عابر في سجلات الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس؛ بل كان بمثابة “المختبر الاستراتيجي” الذي صاغ ” الكتالوج” الاستعماري الحديث. في تلك اللحظة التاريخية، أدركت القوى الاستعمارية السبع (بريطانيا، فرنسا، هولندا، بلجيكا، إسبانيا، إيطاليا، والبرتغال) أن زوال “الرجل المريض” (الدولة العثمانية) بات وشيكاً، وأن الخطر الحقيقي لا يكمن في غياب السلطنة، بل في “الفراغ الجيوسياسي” الذي قد تملأه وحدة عربية وإسلامية تمتلك كافة مقومات النهوض الحضاري.
أولاً: التصنيف_الثلاثي.. هندسة التبعية وصناعة التخلف:
اعتمد المؤتمر رؤية تقسيمية للعالم، لم تكن مبنية على الحدود الجغرافية فحسب، بل على “الأهلية الحضارية” ومدى التهديد للمصالح الغربية، حيث تم فرز دول العالم إلى ثلاث فئات:
– دول_المركز (الحضارة الغربية): وهي الدول الصديقة التي يجب دعم استقرارها وتفوقها التكنولوجي لضمان استمرار ريادة الرجل الأبيض.
– دول_الهامش (المحايدة): دول لا تشكل تهديداً مباشراً ولا تتقاطع مع المركز حضارياً، ويُكتفى بمراقبتها وتوجيه بوصلتها.
الدول_المستهدفة (كتلة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا): وهي المنطقة الممتدة من الخليج إلى المحيط. رأى المؤتمر أن هذه الكتلة تمتلك “وحدة عضوية” (لغة، ديناً، تاريخاً، وموارد) تجعل منها مهدداً وجودياً للهيمنة الغربية إذا ما اتحدت. لذا، قضت #التوصيات بضرورة:
تجهيل_الشعوب: ممارسة “قمع معرفي” ممنهج وحرمان المنطقة من امتلاك ناصية العلم والتكنولوجيا.
التفتيت_الدائم: إبقاء المنطقة في حالة “سيولة صراعية” داخلية تمنع أي تقارب سياسي أو اقتصادي.
ثانياً: استراتيجية ” الكيان_العازل” (The Buffer State)
كانت العبقرية الشيطانية للمؤتمر تكمن في فكرة “الجسم الغريب”. إذ خلصت التوصيات إلى ضرورة زرع كيان قوي، غريب عن المنطقة في تكوينه الثقافي والعرقي، في قلب فلسطين. هذا الكيان ليس وطناً لجماعة بقدر ما هو “وظيفة جيوسياسية” تهدف إلى:
الفصل_الجغرافي: كسر التواصل البري بين المشرق العربي ومغربه.
الاستنزاف_المستدام: العمل كمغناطيس يجذب طاقات المنطقة نحو صراعات عسكرية دفاعية، مما يحول دون التفرغ للتنمية أو النهوض الحضاري.
ثالثاً: من 1907 إلى اليوم.. ترميم ” الكتالوج” الاستعماري:
إن ما نشهده اليوم من تصعيد عسكري أمريكي-إسرائيلي تجاه إيران لا يمكن قراءته بمعزل عن إرث “كامبل بانرمان”. فإيران، برؤيتها الحالية، تمثل خروجاً عن ” قواعد_الاشتباك” التي وضعها الاستعمار القديم؛ فهي قوة إقليمية تحاول امتلاك التكنولوجيا (كسر قاعدة الفئة الثالثة) وتشكيل محور يتجاوز الحدود المصطنعة.
الهجوم الحالي هو محاولة لترميم “الستاتيكو” (الوضع القائم) الذي تآكل. عندما تشعر واشنطن وتل أبيب بالخطر، فإنهما يتحركان لحماية “وظيفة الكيان العازل” التي بدأت تترنح أمام بروز قوى إقليمية طموحة ترفض التبعية المطلقة.
رابعاً: التحول الاستراتيجي.. هل ينقلب السحر على الساحر؟
رغم قتامة المشهد، إلا أن القراءة العميقة تشير إلى أننا بصدد مرحلة “تآكل الوظيفة”، وذلك لثلاثة أسباب رئيسية:
انكشاف “الشرطي“: الهجوم المباشر وتدخل الولايات المتحدة الأصيل يحول الكيان من “حامٍ للمصالح” إلى “عبء يحتاج للحماية”، وهذا يكسر أسطورة “الردع الوظيفي” التي صُممت في 1907.
وحدة المصير العابرة للحدود: الضغوط الكبرى تخلق حالة من التلاحم الشعبي والاستراتيجي تتجاوز التقسيمات القومية الضيقة، مما يعيد إحياء مفهوم “الكتلة الشرقية” التي حذر منها بانرمان قبل قرن ويزيد.
إننا نشهد اليوم إرهاصات استعادة ” الكتلة الحضارية الإسلامية” لدورها الوازن كضرورة جيوسياسية حتمية، حيث تفرض وحدة المصير نفسها لمواجهة الانفلات الإمبريالي الصهيو-أمريكي في المنطقة. ومع تراجع فاعلية النموذج الإيراني في “تصدير الثورة” – الذي أسهم سابقاً في تأجيج الاستقطابات الطائفية— تتشكل حالة من ” وحدة الهدف” المتمثلة في كبح التمدد الاستعماري، مما يُفعّل نظرية “التحدي والاستجابة” بصورتها الوجودية. إن المساعي الممنهجة لضم الضفة الغربية وتهويد القدس تُعيد مركزية الرمز_المقدس كمحرك لتوحيد الإرادة الإسلامية، بالتوازي مع التهديدات المباشرة التي تستهدف خرائط الطاقة والممرات الملاحية السيادية؛ الأمر الذي ينقل فكرة التكتل الإسلامي من حيز “الحالة الدينية” إلى ضرورة “الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية”، ففي ظل صراع البقاء الحالي، لم يعد التحالف الإسلامي الصلب خياراً سياسياً بقدر ما أصبح حتمية وجودية لتجنب الاندثار الحضاري.
ثغرة الفراغ الاستراتيجي: الانشغال الغربي بحروب استنزاف إقليمية يقلل من قبضته الأمنية والمعرفية، مما يفتح نافذة تاريخية للدول الطموحة لفرض سيادتها العلمية والعسكرية وكسر قيود التجهيل الممنهج.
ختامًا….الجغرافيا لا تخون.. والتاريخ يصحح مساره، إن مؤتمر “كامبل_بانرمان” أرادنا أمة ممزقة، جاهلة، وتابعة، لكن سنن التاريخ تخبرنا أن “الكيانات الوظيفية” تنهار حتماً عندما تُكلف بمهام تفوق طاقتها الطبيعية. نحن اليوم لا نعيش مجرد صراع عسكري، بل نعيش لحظة الحقيقة حيث تتصادم ” إرادة الهيمنة” مع ” حتمية النهوض”. التاريخ لا يعيد نفسه، بل نحن الآن بصدد كتابة فصل جديد يُغلق فيه “كتالوج” 1907 إلى الأبد..