في رحاب الأسماء الحسنى : الله… الرزَّاق
د. عبدالكريم بكار .
في لحظات السكون التي تسبق النوم، أو وسط زحام التفكير في مستقبل الأبناء وتقلبات الأسواق، يطرق العقل سؤالٌ ثقيل:
ماذا لو ضاقت السبل؟
نحن نعيش في زمنٍ ضُخِّمت فيه الأسباب المادية حتى كادت تحجب عن القلوب المُسبِّب. وأصبح كثير من الناس يظن أن أمانه مرهون بذكائه أو بظروف السوق أو بقوة الاقتصاد؛ فإذا اهتز خبرٌ اقتصادي، اهتزت معه الطمأنينة في النفوس.
لهذا، لكل قلبٍ ضاق اليوم بهمه، ولكل عقلٍ أثقله التفكير في الغد..
تعالوا نستظل قليلًا باسمٍ من أعظم أسماء الله:
الرزَّاق.
حين نتأمل هذا الاسم بوعيٍ عميق، نكتشف أنه لا يعني مجرد العطاء، بل يعني الضمان والاستمرار.
فالرزَّاق هو الذي يفيض بالعطاء رزقًا بعد رزق، وهو الذي يتولى إخراج ما كُتب لك في السماء حتى يصل إليك في الأرض واقعًا ملموسًا. فما قُدِّر لك لن يستطيع أحدٌ حبسه عنك.
ومن أعظم ما يورثه هذا الاسم في القلب التحرر من هيبة الأسباب. فالمؤمن لا يهمل الأسباب، لكنه يضعها في حجمها الطبيعي:
هي وسائل نسعى بها امتثالًا، بينما تبقى القلوب ساكنة في محراب الثقة بالله. وهنا يظهر الفرق العميق بين نوعين من السعي: سعي الطمأنينة… وسعي الهلع.
تأملوا في هندسة الخلق من حولكم:
كيف يُساق الرزق للدابة في أعماق الأرض، وللطير في كبد السماء، في شبكةٍ دقيقة يجعل الله فيها كل مخلوقٍ سببًا لرزق غيره.
فإذا كان الله قد تكفّل برزق الدابة التي لا عقل لها ولا تخطيط، فكيف يترك رزق الإنسان الذي استخلفه في الأرض؟
إن هذا الضمان الإلهي ليس دعوةً إلى الكسل، بل دعوة إلى تحرير الطاقة؛ أن نصرفها في عمارة الأرض بدل أن نستهلكها في القلق على رزقٍ قد تكفّل الله به.
ومن المهم أن نصحح مفهومًا شائعًا:
الرزق ليس المال فقط.
فالطعام رزقٌ للأبدان،
لكن المعرفة، والإيمان، والسكينة هي رزق القلوب.
وقد تعلّم الإنسان من تجارب الحياة أن الله قد يحجب عنه شيئًا من فضول الدنيا رحمةً به، حتى لا يطغى. فالرزّاق هو أيضًا الخبير البصير بمصالح عباده؛ يعطي بحكمة، ويمنع بحكمة.
وفي النهاية يبقى مفتاح البركة أمرين عظيمين:
التقوى… وإجمال الطلب.
فمن طلب الرزق بمعصية، فتح على نفسه بابًا لا يورثه إلا الخسران.
ومن طلبه بالحلال وبذله في الحق، فُتحت له خزائن السكينة قبل خزائن المال.
اللهم يا رزَّاق، هب لنا قلوبًا لا تتعلق إلا بك، ونفوسًا تستغني بك عن العالمين، وارزقنا بصيرةً نرى بها فضلك في كل نعمة، فأنت خير الرازقين.