إشراقة من الذاكرة :
بقلم : د.عبدالكريم بكار
كان الرجلُ الكبيرُ في حارتنا قديماً يمثل “البوصلة” التي يهتدي بها الجميع؛ فإذا مرَّ سكتَ الصغيرُ إجلالاً، وإذا تكلّم أصغى القومُ كأنَّ على رؤوسهم الطير. لم يكن ذلك مجرد “بروتوكول” اجتماعي، بل كان اعترافاً ضمنياً بأنَّ (تراكم السنين) يمنحُ صاحبه حكمةً لا تُشترى بالكتب، وقاراً يغلف البيت والشارع بنوع من السكينة الروحية.
1. قديماً: الكبيرُ “مركزُ الدائرة”
في الماضي القريب، كان “الكبير” هو المرجعية الوجدانية والاجتماعية؛ كلمته تنهي الخلاف، وحضوره يضبط الإيقاع الأخلاقي للشباب. كان المجتمعُ يرى في تجاعيد وجهه (تاريخاً مكتوباً) من الصبر والكفاح، وفي شيب رأسه (نوراً) يستضاء به في ملمات الأمور. كان الاحترامُ ينبع من “هيبة الذات” ومن رسوخ قيمة (التوقير) في قلب الثقافة التربوية.
2. اليوم: سطوةُ “الشباب” وغربةُ “الخبرة”
مع تسارع وتيرة الحياة وسيادة “الثقافة الرقمية”، انتقل مركز الثقل من (الخبرة التراكمية) إلى (السرعة التقنية). أصبح الكثيرُ من الأبناء يرون في نصائح الكبار “نمطاً قديماً” لا يناسب العصر، وفي هدوئهم “بطئاً” لا يواكب العجلة. لقد تحول العالم إلى تمجيد “الشباب والقوة والمادة”، مما جعل الكثير من كبار السن يعيشون (غربةً داخل بيوتهم)، يشعرون فيها بأنهم “خارج سياق التأثير”.
3. العواقبُ التربوية: فقدانُ الجذور
إنَّ تراجع قيمة “احترام الكبير” ليس مجرد أزمة سلوكية، بل هو (انقطاعٌ حضاري)؛ فالمجتمع الذي لا يوقر كباره يفقد “ذاكرته القيمية”. حين يتطاول الصغيرُ على الكبير، فإنه يهدم في حقيقته (أمانه المستقبلي)؛ فالاحترام هو “دَينٌ” يسدده الأبناء للآباء، ليعود إليهم حين يبلغون من الكبر عتياً.
خارطةُ العودة: كيف نستعيدُ الهيبة؟
– التربية بالقدوة: لن يحترم الابنُ جده ما لم يرَ أباه يخفضُ له جناح الذل من الرحمة.
– إحياء “مجالس الحكمة”: يجب أن نعيد للكبار دورهم في المشورة وإدارة شؤون الأسرة، لا لرفع العتب، بل للاستفادة الحقيقية من بصيرتهم.
– فهمُ “الفجوة”: على الشباب أن يدركوا أنَّ (التقنية) معلومات، لكنَّ (الحياة) تجارب؛ والمعلومات لا تغني أبداً عن تجارب السنين.
ومضة ختامية:
“ليس من إجلال الله تعالى إكرامُ ذي الشيبة المسلم فحسب، بل هو (صمام أمان) للمجتمع من الانفلات الأخلاقي؛ فالمكان الذي يغيب فيه توقير الكبار، تسكنه الفوضى وتستبدُّ به الرعونة.”
وقفة للوعي:
“تأمل في يدِ والدك أو جدك المتغضنة.. إنَّ خلف كل تجعيدة قصة كفاح من أجلك؛ فاجعل من احترامك له (محراباً) تشكره فيه على سنوات عمره التي ذابت لتبقى أنت.”