عبقرية العقل البشري
د . عبدالكريم بكار
يمكن للعقل أن يضعف، ويخمد، ويتكلس كما يتكلس المفصل الذي لا يُحرَّك، والمقصود هنا بالتكلس هو تلك الحالة المعرفية النفسية التي يتصلب فيها التفكير، ويتحول العقل من أداة فاعلة إلى كتلة راكدة، دأبها التكرار، وتفصيل ما لا يحتاج إلى تفصيل.
حين يتوقف العقل عن اكتساب المعارف الجديدة يفقد التعرض للتحدي، ولا يظفر بالاطلاع على طروحات مختلفة، ولا يحتك بأسئلة معقدة، وبهذا تصبح قدرته على التجدد محدودة، ويصبح أسيراً لعين المقولات القديمة التي كانت يوماً ما جديدة.
إن عبقرية العقل البشري لا تكمن بقدرته على التفكير فحسب، وإنما بحركيته، وانفتاحه، وتجريبه، والذي يساعده على هذا هو المواد المعرفية التي تدخل عليه، والحقيقة أنه ليس هناك حلول وسطى: فإما أن ينفتح العقل على الجديد من الأفكار، والمعارف، ويعمل على معالجته، وبذلك ينمو، ويزدهر، وإما أن يكتفي بما لديه، فيجد نفسه بعد مدة، وقد أضحى في عزلة معرفية، يعالج فيها ما صار في حكم المنسوخ، والمتقادم من الرؤى والنظريات، وقد رأينا هذا لدى عدد ضخم من المتخصصين الذين توقفوا عن الاستزادة المعرفية بعد تخرجهم من الجامعات.
المشكلة في هذه الحالة هو اعتزاز كثير منهم بالخبرة العملية التي حصلوا عليها، وشعورهم بالاكتفاء بها عن اكتساب الجديد من المعرفة. إن المعارف الجديدة تفتح مسارات جديدة للعقل، وتنقذه من أن يصبح أسيراً لخبرات تقوم على معارف مرجوحة أو منسوخة كما أنها تنقذ العقل من شيء يمكن أن نسميه (الاجترار المعرفي) حيث يعيد الإنسان تدوير ما سبق أن عرفه دون إضافة حقيقية. عملية الاجترار تنتج معارف قديمة بصيغ قديمة من غير روح، ولا إبداع.
إن توقف العقل الإسلامي عن الاجتهاد الحضاري قروناً أدى بالإنتاج المعرفي إلى أن يكون على الحالة التي نتحدث عنها، وإن توقف أي طالب علم عن متابعة القراءة سيوصله أيضاً إلى تلك الحالة.
المعارف الجديدة هي التي تفتح مساحات أمام العقل ليقوم بدوره في التحليل، والتركيب، والاستنباط، وسك المفاهيم.