﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفَرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
د. عبد الكريم بكار
في هذه الآية الكريمة، لا يخاطبنا الله عز وجل بصيغة الآمر فحسب، بل بصيغة “المُحبّ” الذي يستثير فينا كوامن الفطرة والشوق إلى التطهر. إنها دعوةٌ مفتوحة لكل روحٍ أثقلتها الأوزار، ولكل قلبٍ ضاق به ذرعُ نفسه؛ ليدخل في رحاب سعةٍ لا يحدها مداد، ورحمةٍ سبقت كل غضب.
إنَّ السكينة الحقيقية تبدأ حين ندرك الحقائق التالية:
1 – المغفرةُ إعلانٌ عن “بداية جديدة” :
إنَّ من أعظم عطايا الله للإنسان هو (فتح باب التوبة)؛ لكي لا يظل المرء سجين ماضيه. لولا المغفرة لمات الإنسان هماً تحت وطأة أخطائه، لكنَّ قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يُخبرنا أنَّ سجلَّ العبد مع الله قابلٌ للتنقية في كل لحظة. إنَّ الاستغفار ليس مجرد كلمات باللسان، بل هو “قرارٌ شجاع” بترك عثرات الأمس والمضي قدماً نحو مستقبلٍ أطهر.
2 – السكينةُ في كنف “الغفور” :
حين نُدرك أنَّ الله “يحبُّ” أن يغفر لنا، تسكن نفوسنا من قلق الرفض. إنَّ البشر قد يضيقون بنا ذرعاً عند تكرار الخطأ، أما الخالق سبحانه فيبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار. هذه المعرفة تورث القلب (طمأنينةً عميقة)؛ لأنَّ ركننا الذي نأوي إليه هو ركنٌ رحيم، لا يعاملنا بما نحن أهله، بل بما هو أهله من الجود والصفح.
3 – العفوُ عن الناس.. بوابةٌ لعفو الله :
جاءت الآية في سياق الحث على الصفح عن الآخرين، وكأنَّ الله يقول لنا: “إذا أردتم أن يشملكم عفوي، فتخلقوا بخلق العفو في معاملاتكم”. إنَّ السكينة تكتمل حين نُطهر قلوبنا من أضغان البشر؛ فالمؤمن الذي يعفو عمن ظلمه، يجدُ حلاوةً في قلبه لا يجدها في لذة الانتصار لنفسه. إنَّ “تخلية” القلب من الحقد هي شرطٌ لـ “تحليته” بأنوار القبول الإلهي.
4 – الرجاءُ لا يعني الغرور :
السكينة الراشدة هي التي تجمع بين (الخوف والحياء) من الله، وبين (الثقة المطلقة) في رحمته. نحن لا نتمادى في الخطأ اعتماداً على المغفرة، بل نستحي من كرم الله الذي يسترنا ويعرض علينا العفو برغم استغنائه عنا. هذا الحياء هو الذي يصقل الشخصية ويجعلها تسمو بروحها فوق سفاسف المعاصي.
الخلاصة:
إنَّ الله الذي خلق فيك الضعف، قد فتح لك باب القوة بالرجوع إليه. فلا تجعل من ذنبك جداراً يعزلك عن ربك، بل اجعله “سُلّماً” من الانكسار والافتقار ترتقي به إلى درجات المحبوبين. إنَّ أعظم نداء يسكب السكينة في الروح هو: “﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾..
فيا رب، ألا نحب أن تغفر لنا؟ بلى والله، فاغفر لنا وارحمنا، وأنت خير الراحمين.