🇲🇦🇲🇦 *نداء الضمير الوطني:من المسؤول عن استمرار النزعات الانفصالية بعد خمسين سنة من استرجاع الأقاليم الجنوبية؟*🇲🇦🇲🇦
اعداد : المهندس عبدالله ايت شعيب.
النداء الثالث: نداء لمّ الشمل والمصالحة الإنسانية في إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، فأكبر مأساة النزاع المفتعل: تمزيق الأرحام الصحراوية بين العيون وتندوف:
🇲🇦 الحلقة الخامسة: بناء الثقة قبل تنزيل مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية:
🇲🇦 الإصغاء إلى نبض الشارع الصحراوي – استحضار تجارب العائدين. 🇲🇦
ورزازات في يوم الإثنين 19 يناير 2026.
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخوتي وأخواتي،
أهلنا الكرام في الصحراء المغربية،
وإخواننا في مخيمات تندوف،
نصل اليوم إلى حلقة مفصلية من نداء الضمير الوطني، حلقة لا تقلّ أهمية عمّا سبقها، بل لعلّها الأشد حساسية ومسؤولية، لأنها تنقل النقاش من قناعة الحلّ إلى شروط نجاحه، ومن عدالة المقترح إلى قابليته للتحقق على أرض الواقع.
فبعد أن تناولنا في الحلقات السابقة جذور المأساة الإنسانية، ووقفنا عند تمزّق الأسر الصحراوية، ومحاولات اقتلاع الإنسان الصحراوي من عمقه التاريخي والإنساني والوطني، ننتقل اليوم إلى سؤال لا يمكن تأجيله ولا الالتفاف عليه:
لماذا، رغم وجاهة مقترح الحكم الذاتي، ورغم ما يحظى به من دعم دولي متزايد، لا يزال التردد قائمًا، والشك حاضرًا، والثقة غير مكتملة لدى جزء من أبناء الصحراء ؟
هذا السؤال لا يُطرح من باب التشكيك في الدولة ولا في إخواننا في الصحراء، ولا من باب المزايدة السياسية، ولا من موقع الخصومة أو الاتهام، بل من موقع الحرص الصادق على إنجاح الحلّ، وحماية الوطن من إطالة نزاع أنهك الإنسان قبل أن يُربك السياسة.
إن الحكم الذاتي، في جوهره، ليس مجرد صيغة قانونية متقدمة، بل عقد ثقة بين الدولة وأبنائها، ومناخ اطمئنان، وسلوك مؤسساتي يُترجم العدالة إلى واقع محسوس.
ومن دون هذه الثقة، يبقى أي حلّ — مهما كان منصفًا في نصوصه — هشًّا في تطبيقه، محدود الأثر في النفوس، وقابلًا للاستغلال من خصوم الوطن.
في هذه الحلقة الخامسة، سنحاول مقاربة هذا الإشكال الحساس بشجاعة وطنية ومسؤولية هادئة:
سنُصغي لنبض الشارع الصحراوي، ونستحضر تجارب العائدين، ونقف عند اختلالات التدبير المحلي دون تعميم أو تجريح، ونطرح سؤال المسؤولية بوضوح، لا بهدف الإدانة، بل بحثًا عن الإصلاح.
لأن طمأنة الداخل شرط لإقناع الخارج، ولأن الحكم الذاتي لن يكون حلًا نهائيًا إلا إذا شعر الصحراوي — في العيون والداخلة والسمارة ، وفي مخيمات تندوف — بأن الدولة تنصت له، وتحمي كرامته، وتعامله كشريك كامل، لا كملف عابر.
فهذه الحلقة خطوة ضرورية على طريق تحويل الحكم الذاتي من مشروع سيادة إلى مشروع ثقة، ومن مقترح سياسي إلى مصالحة وطنية حقيقية، قوامها الصدق، والعدل، والوضوح.
فلنواصل هذا النقاش بعقل بارد، وبقلب مفتوح، وبضمير وطني يعلم أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بصلابة مواقفها، بل بقدرتها على تصحيح مساراتها، وبناء الثقة مع أبنائها دون مزايدة من طرف أو من آخر.
*** *أولًا : الإصغاء إلى نبض الشارع الصحراوي:
الإصغاء إلى نبض الشارع الصحراوي لا يعني الاستسلام للانطباعات العابرة، ولا الخضوع لمن يرفع صوته أكثر أو للمزايدات على الدولة المغربية، بل يعني الإنصات العميق لما يُقال وما لا يُقال، لما يُعبَّر عنه علنًا، ولما يُخفى خوفًا أو حذرًا أو يأسًا.
فمن خلال معاشرتي للاخوة في الصحراء استنتجت بان الشارع الصحراوي اليوم ليس كتلة واحدة، ولا خطابًا موحّدًا، بل هو:
• شباب متعلم يبحث عن الكرامة وتكافؤ الفرص،
• عائلات أنهكها الانتظار وقلق المصير المعلّق،
• نخب محلية تشعر أحيانًا بالتهميش أو الإقصاء،
• وشرائح واسعة تُعلن ولاءها للوطن، لكنها تُخفي في داخلها شعورًا بعدم الإنصاف أو بعدم الاعتراف الكامل.
كما لاحظت بعض الصحراويين يشعرون بالتمييز الصامت ويعبّرون، بصوت منخفض، عن إحساسهم بوجود:
• تشكيك دائم في وطنيتهم،
• أو تعامل أمني مبالغ فيه في بعض الحالات،
• أو نظرة نمطية تُحمّلهم تبعات ملف سياسي معقّد.
وهذا الشعور، حتى إن كان جزئيًا أو غير مقصود، فإن أثره النفسي مدمّر على المدى المتوسط، لأنه يُحوّل المواطن من شريك إلى متحفّظ، ومن منخرط إلى متفرج.
ولذلك، فإن من أخطر ما يمكن أن تقع فيه الدولة أو بعض النخب، هو قراءة الصمت الصحراوي على أنه رضا مطلق أو قبول غير مشروط. فالصحراوي، بحكم ثقافته وقيمه الاجتماعية وتقاليده المتجذّرة، لا يميل إلى رفع صوته سريعًا، ولا يُكثر من الشكوى أو الاحتجاج العلني، لكنه حين تتآكل ثقته، لا يُواجه بالصدام، بل يختار الانسحاب الهادئ.
وهذا الانسحاب الصامت لا يُقاس بعدد المظاهرات، ولا يظهر في الشعارات، لكنه يتجلى في تراجع المبادرة، وفتور الانخراط في الشأن العام، وضعف الإيمان بالمؤسسات، وترك الساحة فارغة أمام خطابات متطرفة أو يائسة، قد تجد في الفراغ النفسي والاجتماعي بيئة خصبة للتمدد، بما يحمله ذلك، على المدى البعيد، من مخاطر انفجار غير محسوب العواقب.
إن الأغلبية الساحقة من الصحراويين لا يطالبون بالانفصال، ولا يرفضون الحكم الذاتي، لكن منهم من يتساءلون في صمت: هل ستُدار شؤوننا غدًا بنفس العقليات التي تُديرها اليوم؟
وهذا السؤال، في حد ذاته، يجب أن يُؤخذ بجدية كاملة. فالإصغاء الحقيقي يقتضي:
• فتح قنوات مؤسساتية دائمة للحوار، لا موسمية ولا ظرفية،
• التمييز بين النقد الصادق والتحريض الموجّه،
• حماية الحق في التعبير المسؤول، بدل دفعه إلى السرّ أو إلى الخارج.
• تمكين النخب الصحراوية النظيفة من لعب دورها،
• ومساءلة كل من يسيء التدبير باسم الدولة أو باسم الصحراء.
لأن الدولة القوية لا تخاف من سماع الحقيقة، بل تخاف من أن تُقال في غير مكانها.
*** * ثانيًا: استحضار تجارب العائدين: (بين قصص النجاح وجراح الإخفاق) :
لا يمكن الحديث بجدية عن المصالحة ولمّ الشمل دون التوقف، بصدق ومسؤولية، عند تجارب العائدين من مخيمات تندوف، لأنها تُمثّل المرآة الأصدق لمصداقية خطاب الدولة، ومقياسًا عمليًا لما إذا كان مشروع الحكم الذاتي يُترجم، فعلًا، إلى كرامة وأمان واستقرار على أرض الواقع.
1. التجارب الموفقة :
لا يمكن إنكار وجود حالات عودة ناجحة ومشجعة، حيث استطاع عدد من العائدين:
• الاندماج الاجتماعي بسلاسة داخل محيطهم الأسري والقبلي،
• الاستفادة من مواكبة مؤسساتية حقيقية ومتواصلة،
• إيجاد الحماية والاحتضان اللازمين لإعادة بناء حياتهم بكرامة،
• والتحول، بحكم تجربتهم، إلى جسور ثقة وسفراء غير مباشرين للمغرب داخل دوائرهم الاجتماعية والعائلية.
وتؤكد هذه التجارب أن الدولة قادرة على إنجاح مسار العودة متى توفرت الإرادة السياسية الصادقة، والوضوح في الرؤية، والمتابعة الجدية في التنفيذ.
ومن ثمّ، فإن من الواجب ليس فقط الاعتراف بهذه النجاحات، بل تثمينها، واستخلاص الدروس منها، وتوظيفها كنماذج إيجابية، مع *تشجيع أصحابها على مزيد من العطاء والانخراط، حتى تصبح قصص النجاح قاعدةً مُحفِّزة، لا استثناءً ظرفيًا*.
2. التجارب غير الموفقة :
في المقابل، لا يمكن إنكار وجود تجارب عودة مؤلمة لا يجوز تهميشها أو التعامل معها كحالات معزولة، لما لها من أثر بالغ على صورة الدولة وعلى مناخ الثقة العام. فقد وجد بعض العائدين أنفسهم:
• دون مواكبة مؤسساتية حقيقية بعد لحظة الاستقبال الأولى،
• أمام صعوبات فعلية في الإدماج الاقتصادي والاجتماعي،
• في وضعيات هشاشة غير متوقعة تُقوّض إحساسهم بالأمان والاستقرار،
• أو موضوع توظيف رمزي وإعلامي ظرفي، دون استثمار جاد في بناء مسار اندماج دائم ومستقر.
وهنا تتشكل الإشكالية الحقيقية، لأن العائد الذي لم يطمئن لمستقبله لا يستطيع إقناع غيره بخيار العودة، ولأن التجربة غير الموفقة — بحكم طبيعتها الإنسانية — تنتقل بسرعة أكبر من الخطاب الرسمي، وتصل إلى مخيمات تندوف مجرّدة من أي تبرير أو تأويل.
وقد نقل لي بعض الإخوة الصحراويين، بكل أسف، نماذج لتجارب عودة لم تُكتب لها شروط النجاح، حيث عاد أصحابها إلى أرض الوطن واستفادوا من دعم محدود، من قبيل بطاقة الإنعاش أو ما يُعرف بـ«الكارطة»، وهي مساعدة رمزية لا ترقى، في كثير من الحالات، إلى ضمان حدٍّ أدنى من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ولا تُغني عن مواكبة حقيقية وشاملة قادرة على إعادة إدماج العائد في محيطه الطبيعي كمواطن كامل الحقوق والواجبات. ومع غياب الدعم المستمر، تحولت النية الحسنة إلى تجربة مربكة، انتهت في بعض الحالات بعودة أصحابها إلى المخيمات، لا رفضًا للوطن، بل عجزًا عن الاندماج في غياب شروط الاستقرار.
في الحلقة المقبلة ان شاء الله سنستكمل مناقشة المحاور الواردة في هذه الحلقة :
*شروط نجاح إدماج العائدين* – *الوقوف عند اختلالات التدبير المحلي*- *تحديد المسؤولية*- *خلاصة الحلقتين الخامسة والسادسة.*
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته