موريتانيا بين إعلان الحياد وممارسة نقيضه… آن الأوان للوضوح.
🇲🇦🇲🇷*لنكن أوفياء لذاكرتنا المشتركة، صادقين مع تاريخنا، ومنصفين لمصالح شعوبنا… لأن المستقبل لا يبنيه التردد، بل تصنعه الثقة المتبادلة*.🇲🇦🇲🇷
بقلم: المهندس عبد الله آيت شعيب.
يوم 26 فبراير 2026
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى اله وصحبه أجمعين،
الحمد لله الذي جعل الأخوة ميثاقًا لا يُنقض، وجعل الجوار عهدًا لا يُنتهك، وجعل الحكمة نورًا يهدي به من يشاء. أحمده تعالى على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله.
بينما كنت أتابع، كما يتابع غيري، ما يجري في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، استوقفني خبر بثّه التلفزيون الرسمي في موريتانيا يفيد بأن *رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، استقبل وفدًا ممثلًا لما يسمى الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.* وقد جاء هذا الحدث بعد أيام قليلة فقط من *استنكار جهات موريتانية رسمية توقيع اتفاقية شراكة بين مدينة الداخلة المغربية وإحدى الجماعات الترابية الموريتانية.*
فحين يُستقبل كيان يطعن في الوحدة الترابية للمغرب على هذا المستوى الرسمي الرفيع، في مقابل التحفظ على شراكات تنموية طبيعية مع مدنه الجنوبية، فإن الأمر يتجاوز مفهوم “الحياد” كما هو متعارف عليه دبلوماسيًا، ليطرح تساؤلًا مشروعًا حول طبيعة هذا الحياد وحدوده، وما إذا كان يعكس توازنًا فعليًا، أم استمرارًا لتأثير هواجس قديمة ما زالت تلقي بظلالها على القرار السياسي.
وأقولها بكل صراحة لاخواننا في موريتانيا ولدبلوماسيتنا، الجواب، في الواقع، واضح ولا يحتمل التأويل:
*هذا ليس حيادًا،*
لأن الحياد الحقيقي لا يكون بمنح الشرعية الرمزية لطرف ينازع وحدة دولة شقيقة، وفي الوقت نفسه تقييد أشكال التعاون الطبيعي معها. الحياد لا يكون بخطوتين متعاكستين في الاتجاه والمعنى، بل بموقف متوازن ومنسجم لا يترك مجالًا لهذا القدر من الالتباس.
أما حين يصبح “الحياد” غطاءً لممارسات تُفهم، موضوعيًا، على أنها أقرب إلى الانحياز منها إلى التوازن، فإن الأمر لا يعود مرتبطًا بسوء تقدير ظرفي، بل يكشف استمرار تأثير هواجس قديمة، ما زالت، على ما يبدو، تؤثر في صياغة القرار السياسي وتوجيه إشاراته.
إن الحياد، في جوهره السياسي والأخلاقي، ليس شعارًا يُرفع، بل سلوكًا يُمارس بانسجام واتساق. فلا يمكن للحياد أن يكون انتقائيًا، يرفض التعاون التنموي الطبيعي مع مدن تمارس سيادتها الفعلية، وفي الوقت نفسه يفتح أبوابه لاستقبال كيان يقوم وجوده السياسي أصلًا على منازعة تلك السيادة.
إن مثل هذه المواقف تعيد إلى الواجهة خلاصاتٍ جوهرية سبق أن أكدنا عليها في مقالنا المعنون: *“الخوف من المغرب… العقدة الاستعمارية التي ما زالت تحكم الجزائر وبعض الدوائر في موريتانيا”*، حيث بيّنا أن جوهر الإشكال لا يكمن، في حقيقته، في نزاع قانوني أو خلاف حدودي بالمعنى التقليدي، بقدر ما يكمن في استمرار تأثير رواسب نفسية وجيوسياسية تعود جذورها إلى مرحلة إعادة تشكيل المنطقة إبّان الحقبة الاستعمارية، وما خلّفته من تصورات وهواجس لم تعد تنسجم مع واقع اليوم.
وقد عبّر بعض من مثقفي موريتانيا الشقيقة عن هذا التخوف، الذي لا يستند إلى وقائع موضوعية، بل إلى تصورات موروثة، حيث كتب أحدهم، المدعو محمد سالم ولد محمد اليعقوبي، الذي يقدّم نفسه ككاتب، في مقال نشره سنة 2012 وأعاد تداوله مؤخرًا، قوله:
*”إن المغرب لم يكن ليتورع عن ابتلاع موريتانيا بمجرد أن يستقيم له أمر الصحراء، لأن سياسته التوسعية لا حد لها، ولأن قادته يعتقدون أن حدود المغرب تتجاوز موريتانيا نحو مالي والسنغال، ضمن ما تسميه بعض الأدبيات الحزبية بالمغرب الكبير.”*
وهنا يطرح السؤال نفسه بكل هدوء وموضوعية، وبمنطق التجربة لا بمنطق الظنون:
• بالله عليكم، منذ أن اعترف المغرب رسميًا بالدولة الموريتانية سنة 1969، هل صدر عنه، قولًا أو فعلًا، ما يؤكد هذه المزاعم؟
• هل بادر يومًا إلى التشكيك في سيادة موريتانيا؟
• هل اتخذ خطوة واحدة يمكن أن تُفهم في اتجاه المساس باستقلالها أو وحدتها الترابية؟
إن الواقع، بكل بساطة، يقدّم جوابًا واضحًا لا لبس فيه:
*لقد تعامل المغرب، منذ ذلك التاريخ، مع موريتانيا كدولة شقيقة كاملة السيادة، قائمة على الاحترام المتبادل، وحسن الجوار، والتعاون الأخوي، دون أن يصدر عنه ما يمكن أن يبرر استمرار مثل هذه المخاوف، إلا في أذهان من ما زالوا أسرى تصورات صنعتها ظروف تاريخية تجاوزها الزمن*.
أرجو ان يفهم أشقائنا في موريتانيا بان طرح الحقائق التاريخية لا يعني إطلاقًا أن للمغرب أطماعًا توسعية في موريتانيا. المغرب اعترف رسميًا بموريتانيا سنة 1969، ويتعامل معها بمنطق الدولة الحديثة القائمة على احترام السيادة، وعلى حسن الجوار، وعلى بناء مستقبل مشترك قائم على التعاون لا على الاستدعاء الانتقائي للتاريخ. والمغرب اختار بالتالي منطق الدولة الوطنية الحديثة بدل منطق الإمبراطوريات التاريخية. المغرب يعرف تاريخه، لكنه اختار طوعًا ألا يحوله إلى مشروع توسع.
وهذا ما لا يصدّقه بعض الجيران، الذين ما زالوا أسرى ذاكرة استعمارية ترى في المغرب تهديدًا دائمًا.
أرجو ان يفهم أشقائنا في موريتانيا أن المغرب لم يتحرك قط بمنطق استعادة مجال تاريخي، بل بمنطق تثبيت سيادته الكاملة على صحرائه، في إطار حدوده الوطنية المعترف بها، وبمنطق بناء قطب اقتصادي إفريقي صاعد.
والحقيقة التي على الجميع ان يستوعبها، والتي ينبغي أن تكون واضحة لا لبس فيها:
*المغرب في صحرائه، والمغرب لن يتخلى عن شبر واحد منها، ليس من منطلق ظرفي، بل من منطلق مبدئي وجودي لا يقبل المساومة أو التأويل.*
ومن هنا تحديدًا، يتأكد ما انتهينا إليه في مقالنا السابق: أن السبيل الأمثل لتجاوز ما يُسمّى بعقدة الخوف من المغرب لا يكمن في استمرار الحذر، بل في إزالة أسبابه عبر وضوح صريح في المواقف لا يترك مجالًا للالتباس.
فالمنطقة الرمادية، وإن بدت في ظاهرها خيارًا مريحًا لتفادي الإحراجات الآنية، فإنها في حقيقتها لا تنتج إلا مزيدًا من الشك على المدى البعيد، لأنها تُبقي باب التأويل مفتوحًا، وتُعلّق بناء الثقة الاستراتيجية التي تُعدّ الشرط الأساس لأي مشروع تكامل صادق ومستدام بين الدول.
وبالتالي، فإن الوضوح، وحده، هو الذي يطمئن النفوس، ويؤسس لعلاقات متينة، ويحوّل الجوار الجغرافي إلى شراكة حقيقية، بدل أن يظل رهين حسابات مترددة لا تخدم في نهاية المطاف مصلحة أي طرف، بل تعرقل مسار التنمية في المنطقة.
اليوم، المغرب، وهو الواثق من شرعيته، والمطمئن إلى قوة موقفه القانوني والتاريخي، لا يطلب من موريتانيا أكثر من موقف طبيعي وأخوي: *وضوحًا ينسجم مع منطق الدولة، ومع مقتضيات الشراكة، ومع طبيعة التحديات المشتركة التي تواجه المنطق، وتعاونا من أجل جعل منطقتنا قطبا اقتصاديا دوليا، ودعم مغربية الصحراء باعتبارها حقيقة تاريخية وقانونية أقرها مجلس الامن الدولي في قراره الأخير 2779.*
إن المنطقة الرمادية قد تبدو للبعض منطقة راحة مؤقتة، لكنها، في الواقع، منطقة قلق دائم، لأنها تؤجل الحسم دون أن تلغي الأسئلة، وتؤجل بناء الثقة دون أن توفر بديلًا عنها.
فالعلاقات الاستراتيجية لا تُبنى على الإشارات المزدوجة، ولا على التوازنات الهشة، بل تُبنى على الوضوح، وعلى الثقة، وعلى الانسجام بين القول والفعل.
وفي ختام هذا النداء، أذكّر أشقائنا في موريتانيا بتاريخ مشترك عميق، وبأمجادٍ عظيمة جسدها يوسف بن تاشفين، قائد الدولة المرابطية العظمى، التي انطلقت من قلب الصحراء، وعاصمتها مراكش، لتعلمنا درسًا خالدًا: أن هذه الأرض وطن واحد، لم تفرّق بين أبنائها إلا عوامل خارجية، وبالأخص التدخل الاستعماري الذي رسم الحدود وأحدث الانقسامات، وزرع الشكوك، وفصل الشعوب التي تجمعها وحدة التاريخ واللغة والثقافة والدين.
لقد علّمنا التاريخ أن المغرب وموريتانيا جزءان من نسيج واحد، وأن الخلافات الحديثة لم تُخلق إلا بفعل الاستعمار، الذي سعى لتفتيت وحدة المنطقة لمصالحه، وترك إرثًا من الحذر والريبة في النفوس، لا علاقة له بالواقع الجغرافي أو الروابط الأخوية الأصيلة.
لذلك، فإن وضوح المواقف، واستحضار التاريخ، والاعتماد على المنطق، واحترام السيادة، هي الأساس لأي علاقة صادقة بين دولتينا. فالأخوة الحقيقية ليست شعارات تُرفع على المنابر ولا مجاملات ديبلوماسية، بل ممارسات تتجسد في التعاون الاقتصادي، والتكامل التنموي، والشراكات التي تصب في مصلحة شعوبنا، بعيدًا عن أي تأثيرات خارجية أو تحيزات وهمية.
وأختم بهذه الرسالة لأشقائنا في موريتانيا: *لنقف معًا على الحقائق التاريخية والجغرافية، لنحمي منطقتنا من أي محاولات لتفكيكها، ولنحول الأخطاء الماضية إلى دروس مستقبلية، تجعل من المغرب وموريتانيا قوةً موحدة، رافعةً للتنمية والاستقرار، وقوةً تضرب بجذورها في تاريخ مشترك، وتطل إلى المستقبل بثقة وعزيمة.*
*فليكن التاريخ والوضوح والمنطق والاحترام المتبادل نبراسنا، ولتكن الأخوة الحقيقية هي الأساس الذي تقوم عليه كل شراكة، وكل تعاون، وكل مشروع يهدف إلى خير شعوبنا وازدهار منطقتنا*.
*إننا، أبناء هذه الأرض الواحدة، مدعوون لأن نختار الوضوح، ونبني الثقة، ونرفع شعار الوحدة والاعتداد بالنفس، فالأرض التي نتشاركها هي أكثر من حدود، هي روح وعزم وتاريخ مشترك لا ينكسر*.
أما من يريد نكران ذلك، والتنكر لحقائق التاريخ والجغرافيا، وتجاهل ما يجمعنا من وشائج الدم والدين والمصير، فعليه أن يدرك أنه لا يستطيع أن يغيّر الحقائق، ولا أن يمحو الذاكرة الجماعية لشعوب صنعت مجدها معًا، يوم قاد يوسف بن تاشفين رجال الدولة المرابطية من الصحراء إلى مراكش، ليبنوا دولة لم تكن ترى في هذه الأرض حدودًا تفصل، بل مجالًا يوحّد، ولا شعوبًا متناحرة، بل أمةً واحدة يجمعها الإيمان والمصير.
فالتاريخ لا يُزوَّر بمكائد المستعمرين، ولا تُمحى حقائقه بخطوط رسموها على الخرائط، ولا تُغيَّر سننه بقرارات فُرضت في زمن الغلبة، لأن ما خطّه الأجداد بوحدة الدم والمصير، وأن ما يجمع المغرب وموريتانيا، أعمق من أن تمحوه مؤامرات العابرين، وأقوى من أن تفرقه أوهام موروثة.
*إنها دعوة صادقة: أن نكون أوفياء لذاكرتنا المشتركة، صادقين مع تاريخنا، ومنصفين لمصالح شعوبنا… لأن المستقبل لا يبنيه المترددون، بل تصنعه الثقة المتبادلة ويصنعه الواضحون الذين يعرفون من هم، وأين يقفون، وإلى أين يسيرون.*
قال تعالى: *”ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين*”. (الانفال/46)
وقال: “*وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا… “*. (آل عمران:103)
وقال: “*إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ* (88)”.هود.
صدق الله العظيم.