هل فشلنا في بناء الإنسان السوي ..؟
ثمة حقيقةٌ مُرة يهربُ الكثير منا من مواجهتها خلف أبواب منازلنا المغلقة، وهي أننا قد نكون نجحنا في بناء “بيوتٍ فارهة” لكننا فشلنا في بناء “إنسانٍ سويّ”. نحنُ اليوم نعيشُ مرحلة استبدال (القيم الحية) بـ (الأشياء الميتة)، وهذا التبدل هو الذي يفسرُ حالة التوتر والانطفاء التي تكسو وجوه الشباب رغم توفر كل أسباب الرفاهية.
سنتوقف اليوم عند 4 مفاصل تربوية، هي التي تحددُ ما إذا كان بيتك “منارةً” لصناعة العقول، أو مجرد “مخزنٍ” لتكديس الأجساد والمقتنيات:
1. المحطة الأولى – “سلطة الانتباه” المفقودة:
أكبر معركة نخسرها اليوم داخل بيوتنا ليست معركة “نقص الموارد”، بل هي معركة (السطو على الانتباه). قديماً كان الأبُ هو “بوصلة” البيت، واليوم صار “التريند” هو الذي يوجه دفة الاهتمام.
تخيلوا بيتاً يملكُ أحدث وسائل الاتصال، لكنَّ أفراده يعيشون في (جزرٍ معزولة)؛ كلُّ واحدٍ منهم يحدقُ في شاشته وكأنه يبحث عن “هويةٍ مستعارة” من الغرباء، بينما يفتقدُ الأمان النفسي مع أقرب الناس إليه. إنَّ “السيادة” داخل الأسرة تبدأ من استعادة (ساعات الحضور الذهني)؛ البيت الذي لا يتكلمُ فيه أفراده بصدق، هو بيتٌ يسكنه الغرباء وإن جمعهم سقفٌ واحد. المعضلةُ أننا نربي أبناءنا “رقمياً” وننتظر منهم وفاءً “واقعياً”، وهذا مستحيل؛ فالحبُ يُبنى بالوقتِ المنفق لا بالهدايا المغلفة.
2. المحطة الثانية – “هوس المقارنة” وقاتل الرضا:
ننتقلُ إلى الفخ الذي يقعُ فيه الآباء قبل الأبناء، وهو (وثنية المظاهر). لقد تحولت البيوت إلى “ساحات عرض”، حيثُ تُقاسُ قيمةُ الابن بما يرتدي وما يملك، لا بما يفهمُ ويُنتج.
لماذا يشعرُ الشاب بالإحباط الدائم؟ لأنه يقارن (واقع حياته) بـ (زيف صور الآخرين) على الشاشات. هذه المقارنة الظالمة تقتلُ لديه “بذرة الرضا” وتحوله إلى شخصٍ ناقمٍ يرى أنَّ والده “مقصر” لأنه لم يوفر له ما يملكه “المشهور الفلاني”. نحنُ من صنعنا هذا “الغول” حين ربطنا مدحنا لأبنائنا بـ (المظاهر الخارجية) وأهملنا الثناء على (المجاهدات النفسية). تذكروا.. مَنْ استمدَّ قيمته من “عالم الأشياء”، سيبقى عبداً لكل موضةٍ وتغيير، ومَنْ استمدها من “عالم المعنى”، سيبقى سيداً ولو لم يملك إلا قوت يومه.
3. المحطة الثالثة – “التدليل كأداة اغتيال”:
المحطة الثالثة هي الأكثر إيلاماً، وهي (الرحمة الجاهلة). بعضُ الآباء يمارسون دور “الملاك المنقذ” الذي يحمي الابن من أي جهدٍ أو تعب. يظنون أنهم يُكرمونه، والحقيقة أنهم (يغتالون شخصيته) ببرودة دم.
الإنسانُ الذي لا يذوقُ طعم الكدح في صغره، لن يتذوق حلاوة النجاح في كبره. حين توفر لابنك “الرفاهية المطلقة” دون مقابل، فأنت تربي فيه (عقلية الطفيلي) الذي ينتظر أن تمطر السماء ذهباً. السيادةُ النفسية تُبنى في “مختبر الحرمان المؤقت” وفي “مدرسة الصبر”. إنَّ الطفل الذي لم يسمع كلمة “لا” في بيته، ستحطمه “لا” واحدة يواجهها في مجتمعه. لا تخشوا على أبنائكم من “التعب الهادف”، بل اخشوا عليهم من “الراحة القاتلة” التي تجعل نفوسهم هشةً كأغصان الخريف.
4. المحطة الرابعة – “المنطقة الرمادية” وازدواجية المعايير:
نصلُ هنا إلى الداء العضال: (الانفصام القيمي). بيوتنا اليوم تعاني من وجود “نسختين” من التربية؛ نسخةٌ للمظهر أمام الناس، ونسخةٌ للواقع خلف الأبواب.
الابنُ يرى أباه يتحدث عن “الأمانة” ثم يراه يغش في عمله، ويرى أمه تتحدث عن “الحشمة” ثم يراها تلاحق عورات الآخرين في الغيبة. هذا التناقض يخلقُ جيلاً “رمادياً”؛ يعيش في المنطقة الفاصلة بين الحق والباطل. هم الذين يصلون كعشرة، لكنهم يتعاملون كأرقام. يملكون “العلم” ويفتقدون “الأثر”.
البيتُ الذي يمسكُ فيه الآباءُ العصا من المنتصف، سيُخرجُ أبناءً تائهين؛ لا هم استقاموا على نهج الأمة، ولا هم نجحوا في محاكاةِ غيرهم بصدق. الوضوحُ التربويُّ هو “البصمة” التي تجعلُ ابنك يعرفُ أين يضعُ قدمه وسط زحام الضلال؛ فالحقُّ يشرقُ في القلوب الواضحة، والباطلُ ينمو في ضباب الازدواجية.
الخلاصة:
استردوا “السيادة التربوية” داخل بيوتكم بالقدوة لا بالخطب، وبالحب لا بـ “الواي فاي”. علموهم أنَّ بركة العمر في “جودة الحضور” لا في “كمية الحيازة”، وأنَّ القوة تكمنُ في “العقل الذي يخطط” لا في “الجسد الذي يقلد”.
بادر بتطبيق “فقه التخفف” في بيتك اليوم قبل أن يسرقك الغد، فالمبادرون هم وحدهم من يتركون أثراً لا يمحوه الزمن.