منهجية القرار الراشد
د. عبد الكريم بكار
من أهم ما تعلمته خلال السنوات الماضية، وأصبح جزءاً لا يتجزأ من طريقتي في التعامل مع المشكلات واتخاذ القرارات، هو ما يمكن أن نُسميه: “منهجية القرار الراشد”.
حين تواجه مفترق طرق، أو تُضطر لاتخاذ قرار مصيري، أو تبحث عن حل لمشكلة معقّدة، لا تبدأ بالحلول… بل ابدأ بالفهم.
الكثير من القرارات الخاطئة لا تكون ناتجة عن ضعف في الذكاء، بل عن نقص في المعلومات، وفهم غير دقيق لطبيعة المشكلة.
لا تكتفِ بالانطباع الأول،
ولا تتأثر كثيرًا بأقوال من حولك، ولا تنسَق خلف ما يُقال في لحظة انفعال أو ضغط.
توقّف، وتمهّل، واتبع الخطوات بتأنٍّ قبل اتخاذ القرار النهائي.
ابدأ بالغوص في جذور المشكلة، وفهم أسبابها العميقة، وسياقها الكامل، والعوامل التي تحيط بها وتؤثر فيها.
أولاً: الفهم وبناء القاعدة المعرفية.
اجمع كل البيانات والمعلومات الممكنة، من كل الزوايا، مهما كانت صغيرة.
ابنِ “قاعدة معرفية” دقيقة تحيط بجوانب القضية من كل الجوانب، قبل أن تخطو أي خطوة.
ثانياً: تحديد الخيارات وتقييمها.
ضع كل الخيارات والحلول الممكنة أمامك. قيّمها بموضوعية، إيجابياتها وسلبياتها.
استبعد غير الواقعي منها، وقلّصها حتى يبقى أمامك خياران أو ثلاثة.
ادرس كل خيار بتأنٍّ، بعيدًا عن الميول العاطفية.
استشر من تثق بعلمهم، وصدقهم، ونواياهم.
لا تسأل من لا يعرف، ولا من لا يريد لك الخير، فآراؤهم تشتّت ولا ترشد.
اجعل الناس يشاركونك في مرحلتين فقط:
جمع البيانات وبناء فهم واضح، وتقييم الخيارات النهائية.
وكلّما أحسنت اختيار من تستشير، كانت النتيجة أعمق وأقرب للصواب.
ثالثاً: التمهل والاستخارة واتخاذ القرار.
قبل اتخاذ القرار النهائي، توقف قليلاً…
دع الفكرة تستقر في ذهنك لساعات.
ثم صَلِّ ركعتين، واستخر الله تعالى، وادعه بصدق أن يرشدك إلى الخيار الأمثل.
وقل: يا معلّم داود علّمني، ويا مفهّم سليمان فهّمني، واشددني واهدني ويسّر الأمر لي.
ثم امضِ في الخيار الأقرب إلى السكينة والطمأنينة.
واعلم أن القرار النهائي لا يُؤخذ من أحد، بل يُترك لله بعد الاستخارة.
هذه المنهجية البسيطة –والعميقة في الوقت ذاته– ليست فقط طريقة علمية لإدارة المشكلات، واتخاذ القرارات، بل هي أسلوب حياة.
إذا التزمت بها، ستلاحظ تحسناً كبيراً في جودة قراراتك، وهدوءك النفسي، وسرعة تعافيك حتى لو أخطأت.
افهم أولًا، ثم فكّر، ثم قرّر.
ولا تكن سريعًا فتندم، ولا مترددًا فتتجمد.
وازن بين العقل والاستخارة، وبين العلم والمشورة، وستجد الخير حيث لم تتوقع.