أهمية الغايات الإنسانية.
د . عبدالكريم بكار .
تيهُ “الغايات” الصغير.. هل تحولَ الإنسانُ إلى “رقمٍ” في آلةِ العبث؟
في إحدى الدراساتِ النفسيةِ العميقة، وُجِدَ أنَّ الإنسانَ يمكنُ أن يتحملَ أقسى الظروفِ الماديةِ إذا كان يملكُ “لماذا” قوية (أي غايةً لوجوده)، ولكنه قد ينهارُ نفسياً وهو في قمةِ الرفاهيةِ إذا فَقَدَ المعنى. واليوم، يواجهُ العالمُ ما يمكنُ تسميته بـ (تزييفِ الغايات)، حيثُ يُدفعُ الإنسانُ دفعاً ليكونَ مجردَ “مستهلكٍ” في دورةٍ اقتصاديةٍ لا تنتهي، بدلاً من أن يكونَ “صانعاً للحضارة”.
مظاهرُ الانحرافِ عن الجوهر:
تسللت إلى المفاهيمِ التربويةِ والاجتماعيةِ المعاصرةِ مجموعةٌ من الخدعِ التي أعادت صياغةَ أولوياتِ الإنسان:
– طغيانُ “الوسيلة” على “الغاية”: تحولَ المالُ والمنصبُ والظهورُ الرقمي من كونهِ وسيلةً لتحقيقِ رسالةٍ سامية، إلى غايةٍ في حدِّ ذاته. هذا الانكفاءُ على المادةِ خلَّفَ وراءهُ فراغاً روحياً هائلاً، جعلَ من “القلق” سِمةً لازمةً لإنسانِ هذا العصر.
– عقليةُ “المتعةِ اللحظية”: تروّجُ الثقافةُ السائدةُ لفكرةِ (عِش لحظتك) بمعناها السلبي، أي الانغماسِ في اللذاتِ العابرةِ والهروبِ من المسؤولياتِ الكبرى. هذه العقليةُ جففت منابعَ “المجاهدةِ الصبورة” التي قامت عليها كبرى التحولاتِ الإنسانية.
– السيولةُ في المفاهيم: تحت شعاراتٍ برّاقة، جرى تمييعُ الحدودِ بين الحقِّ والباطل، وبين الجدِّ والعبث. فأصبحَ “النجاحُ” يُقاسُ بعددِ المتابعين أو بحجمِ الأرصدة، لا بما يقدمهُ المرءُ من نفعٍ حقيقيٍّ لأمتهِ وإنسانيته.
الارتباطُ بين الفراغِ القيمي والوهنِ الحضاري:
إنَّ الأممَ لا تسقطُ حين تنفدُ مواردُها الطبيعية، بل حين تفقدُ “بوصلتَها الأخلاقية” وقدرتَها على إلهامِ أجيالها بغاياتٍ تتجاوزُ الذات. إنَّ حصرَ طموحِ الشابِّ في (وظيفةٍ مريحةٍ واستهلاكٍ ترفي) هو عمليةُ “تحجيمٍ” لروحِ الاستخلافِ التي فطرَهُ اللهُ عليها.
“إنَّ أزمةَ العصرِ ليست في نقصِ الحلولِ التقنية، بل في غيابِ (المعنى)؛ فالأجيالُ التي لا تحملُ هماً يتجاوزُ لقمةَ عيشها، هي أجيالٌ قابلةٌ للاستلاب. الحصنُ الحقيقيُّ يبدأُ بامتلاكِ غايةٍ تسمو بالإنسانِ فوقَ ضجيجِ المادية” .