عادات الحج عند المغاربة: الثابت والمتغير .
مجهر الصحراء : لشكر عبدالله.
الحج عند المغاربة ليس ركناً دينياً فقط، بل طقس اجتماعي متجذر، و”موسم فرح” عائلي له أعرافه الخاصة. بين ما بقي راسخاً وما تغير مع الزمن، ومن أبرز الملامح :
*أولاً : الثابت.. ما لا يتغير في حج المغاربة :
رغم تبدل الأجيال، هناك طقوس بقيت متجدرة في الثقافة المغربية للحج :
1 – “التوديعة” والاحتفاء الجماعي :
يتم وداع الحجاج عند ذهابهم واستقبالهم بعد العودة بالفرح والدفوف والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، والدعاء الأهم: “حج مبرور وذنب مغفور”.
2 – هيبة “الحاج” و”الحاجة” :
يبقى لقب “الحاج” تاجاً اجتماعياً ، حتى الشاب العائد من الحج يُنادى به احتراماً، كلمته مسموعة، ونصيحته “مباركة”. وفي الأحياء الشعبية، يصبح مرجعاً في فض النزاعات: “حكم الحاج”.
3 – هدايا الحج: ماء زمزم والسجادة :
حقيبة الحاج المغربي بعد رجوعه من الديار المقدسة لا تخلو من : قنينات ماء زمزم، تمر العجوة، سبحات، سجادات صلاة، جلابيب بيضاء، كحل، سواك .
وهذه “البركة” توزع على الأهل والجيران بعد العودة، وكل هدية معها دعوة .
4 – “السلكة” وختم القرآن قبل السفر :
كثير من الحجاج، خاصة كبار السن في بعض البوادي يختمون القرآن جماعياً في المسجد أو البيت قبل السفر، تُسمى “السلكة” تبركاً وطلباً للتيسير.
5 – الاستقبال بالحناء والتمر :
العودة لا تقل احتفالاً عن الذهاب ، بحيث تُحنى أيادي “الحاجة”، ويُستقبل الضيوف بالتمر والحليب. وتبقى رواية “شفت الكعبة” و”سلمت على قبر الرسول” حديث المجالس لأشهر.
*ثانياً : المتغير.. ما بدلته الحياة المعاصرة :
1 – من القافلة إلى الطائرة :
في الماضي كان الحج “سفر العمر”، لقد كان السفر يمتد 6 أشهر ذهاباً وإياباً عبر البواخر والجمال.
ومن لم يرجع من حجه تقام له “صلاة الغائب” وتصلى عليه صلاة الجنازة.
بينما النقل فالسفر عبر الطيران مباشرة ، وخلال ساعات قليلة .
كما أن الحاج يرسل”سيلفي” من أمام الكعبة قبل أن تصل طائرته للمغرب.
2 – من “وصية الحاج” إلى “لايف واتساب” :
في الماضي وقبل السفر كان الحاج يكتب وصيته، يسدد ديونه، يطلب السماح، لأن رجوعه غير مضمون.
عكس ما نراه اليوم حيث نجد الحاج يفتح مجموعة واتساب للعائلة، ويرسل لهم البث المباشر من الطواف، وبذلك استُبدلت الوصية بـ”الويفي المباشر”.
3 – التكلفة وتنظيم الدولة :
في الماضي كان الحج “بالمحفظة”، فمن الحجاج من باع أرضه أو ذهب زوجته ليحج ، وكان التنظيم فرديا أو عبر “المقدم”.
بينما اليوم فرضت قرعة وزارة الأوقاف والوكالات على الجميع بتكلفة رسمية قد لا تسمح للبعض بالحج ، فمثلا تجاوزت التكلفة سنة 2026 مبلغ 65 ألف درهم ، مع تكفل الدولة بالتأطير الطبي والإداري .
4 – تغير الهدايا : من البركة إلى الماركات :
في الماضي كانت الهدية رمزية : مسواك، كحل، خاتم فضة وسبحة .
بينما اليوم فبعض الحجاج يعودون بـ”آيفون من مكة”، ساعات، عطور ماركات من أبراج الساعة، وأصبحت الهدية الاستهلاكية تنافس “البركة الروحية”.
5 – تراجع “الحج السياحي” وظهور “الفقه الرقمي” :
في الماضي كنت تجد الحاج يعود بـ”دفتر” وقد دون فيه المناسك بخط اليد.
بينما اليوم فقد تطورت الأمور بوجود تطبيقات “المطوف”، و”YouTube مناسك”، و”GPS الحرم”. لقد أصبح الجيل الجديد يحج بـ”الباور بانك” ويسأل “الشيخ Google” بدل “الفقيه”.
6 – مكانة المرأة : من “حاجة في الظل” إلى “مرشدة دينية” :
في الماضي كانت النساء يحججن مع المحرم، ودورهن هامشي في الرواية.
بينما اليوم “الحاجة” أصبحت فاعلة ، فهي ترافق وفوداً، تؤطر نساء، وتروي تجربتها على “فيسبوك”. بل هناك مرشدات دينيات رسميات ضمن البعثة المغربية.
* ثالثاً : بين الثابت والمتغير.. جوهر لا يتبدل :
رغم كل التحولات، بقي أمران ثابتان في وجدان المغاربة:
1 – الحج “مكان غسْل الذنوب” : لا يزال المغربي يرى في الحج فرصة “للتوبة النصوح”. لذلك تجد التائب يتملص من كل ما قد يفسد حجه عملا وعبادة ومعاملة .
2 – البعد الجماعي : عندما يهم الشخص بالحج فهذا يعني : “عرس القبيلة”, فالعائلة كلها تحج مع الحاج بالدعاء ، الجار يحرس بيت الحاج والجميع يسأل زيارة مقام النبوة .
خاتمة :
لقد تغيرت الوسائل اليوم ، فجل المغاربة يحجون بـ”الجسد في مكة والقلب في المغرب والهاتف في اليد”، لكن الغاية واحدة : طلب المغفرة.
التحدي القادم ليس في الطائرة أو التطبيق، بل في سؤال: *هل نعود من الحج بـ”حاج” جديد في سلوكه، أم بـ”صور” جديدة في هاتفه؟
ذلك هو الثابت الحقيقي الذي نتمنى ألا يتغير. فـ”الحاج” عند المغاربة ليس من زار الكعبة، بل من عاد منها بوجه أبيض وقلب أبيض .