لماذا لا يكون عملنا وفعلنا من أجل رقي وطننا..؟
عِبرةٌ من جاسوس : درسونا لاحتلالنا… فهل ندرس أنفسنا لبناء وطننا ؟
بقلم المهندس عبدالله أيت شعيب.
حين قرأتُ قصة الفرنسي إدوار ميشو بيلير، الذي عاش في المغرب متخفيًا في شخصية «الفقيه الحاج عبد السلام بيلار» أو «ولد القاضي»، وتغلغل لسنوات في المجتمع المغربي، متعلمًا لغته وعاداته وتقاليده، ودارسًا مدنه وقبائله وأسرَه ونُظمه الاجتماعية والاقتصادية، استوقفتني حقيقة تاريخية عميقة: أن *الدول لا تتحرك عشوائيًا، وأن المشاريع الكبرى، سواء كانت مشاريع بناء أو نفوذ أو حتى استعمار، تبدأ غالبًا من المعرفة والتخطيط والدراسة الدقيقة للواقع.*
لقد جاء الرجل في سياق التوسع الاستعماري الأوروبي، ففهم أن الطريق إلى التأثير في مجتمع ما لا يبدأ دائمًا بالسلاح، وإنما يبدأ أولًا بمعرفته؛ بمعرفة أرضه وإنسانه، ونقاط قوته وضعفه، وعلاقاته وتناقضاته، وهويته ومكوناته. ثم تتحول هذه المعرفة إلى خطط وسياسات وقرارات.
ولا يعني ذلك، بأي حال من الأحوال، الإشادة بالاستعمار أو تبرير جرائمه، وإنما استخلاص الدرس من أساليب خصوم الأمس: لقد كان لهم مشروع، وكانت لهم دراسات، وكانوا يوظفون المعرفة في خدمة أهدافهم .
وهنا يجب أن نعتبر .
إن الدول لا تُبنى بالعشوائية، ولا بالارتجال، ولا بمجرد الرياء وإظهار القوة والتقدم والاستقرار. كما أن الأوطان لا تُدار بالشعارات، ولا بالصور والاحتفالات والخطب الرنانة.
فكم من دولة يبدو ظاهرها قويًا، بينما مؤسساتها ضعيفة؟
وكم من مدينة تتزين شوارعها وواجهاتها، فيما مشاكلها الحقيقية تتراكم في العمق؟
وكم من مشروع يُعلن عنه في ضجيج كبير، ثم لا نجد له بعد سنوات أثرًا حقيقيًا في حياة المواطنين؟
إن الفرق بين الدولة التي تصنع مستقبلها والدولة التي تعيش يومها، هو وجود مشروع وطني واضح.
مشروع يعرف من نحن، وأين نقف، وإلى أين نريد الوصول، وكيف نصل.
إن بناء الدول يبدأ بالعلم والمعرفة؛ بدراسة المجتمع دراسة حقيقية، لا بالاكتفاء بالانطباعات العابرة. يبدأ بالتخطيط، وبالاستماع إلى أهل الخبرة، وبإعطاء الكفاءة مكانتها، وببناء المؤسسات القادرة على الاستمرار مهما تغير الأشخاص.
فلا تنمية من دون تشخيص حقيقي للمشاكل، ولا تخطيط من دون معطيات دقيقة، ولا قرار سليم من دون معرفة، ولا دولة قوية من دون مؤسسات قوية.
إن الدول التي تريد الاستقرار لا تكتفي بمعالجة الأزمات بعد وقوعها، بل تعمل على فهم أسبابها قبل أن تتحول إلى كوارث.
والدول التي تريد التنمية لا تنتظر المشكلات حتى تتراكم، بل تستشرف المستقبل وتستعد له.
إننا في حاجة إلى العقل الاستراتيجي؛ إلى رجال ونساء يحملون مشروعًا وطنيًا، لا مشروعًا شخصيًا؛ يفكرون في الأجيال القادمة، لا في الانتخابات أو المناصب أو المصالح الآنية.
نحن في حاجة إلى من يسأل:
كيف سيكون المغرب بعد عشرين سنة؟
كيف ستكون مدننا؟
من أين سيأتي الماء؟
كيف سنواجه التغيرات المناخية؟
كيف سنوفر فرص العمل لأبنائنا؟
وكيف نحافظ على استقرار مجتمعنا ووحدته في عالم تتزايد فيه الأزمات ؟
هذه هي الأسئلة التي تصنع الدول.
أما الاكتفاء بتدبير اليوم بيومه، ومعالجة الملفات بمنطق رد الفعل، والبحث عن الحلول السريعة لإسكات المشاكل، فإنه لا يصنع دولة قوية؛ بل يؤجل الأزمات فقط.
لقد فهم الاستعمار أن معرفة المجتمع قوة، لكننا يجب أن نفهم أن معرفة مجتمعنا ليست من أجل السيطرة عليه، بل من أجل خدمته وتطويره وتحقيق العدالة بين أبنائه.
إننا نحتاج إلى معرفة حقيقية بمدننا وقُرانا؛ بمواردنا الطبيعية والبشرية؛ بشبابنا واحتياجاتهم؛ بواقع التعليم والصحة والشغل؛ بمشاكل التعمير والنقل والماء والطاقة.
ونحتاج إلى تحويل هذه المعرفة إلى مشاريع حقيقية.
فليس المهم أن نعرف المشكلة فقط، بل الأهم أن نملك القدرة على حلها.
وليس المهم أن نُنجز الدراسات ونضع التقارير في الرفوف، بل أن تتحول المعرفة إلى قرار، والقرار إلى مشروع، والمشروع إلى واقع ملموس يلمسه المواطن في حياته اليومية.
إن أخطر ما يمكن أن تعاني منه دولة هو أن تعيش في وهم القوة.
أن تتحدث عن التقدم بينما تتراجع جودة الخدمات.
أن تتحدث عن التنمية بينما يتسع الفارق بين الواقع والوعود.
أن تتحدث عن الاستقرار بينما تتراكم أسباب القلق الاجتماعي.
أن تتحدث عن المستقبل بينما لا يوجد تخطيط حقيقي له.
فالقوة الحقيقية ليست ما نعرضه، بل ما نملكه.
وليست الدولة القوية هي التي تتحدث كثيرًا عن قوتها، وإنما هي التي تجعل مؤسساتها تعمل بكفاءة، ومواطنيها يثقون في مستقبلهم، وكفاءاتها تجد مكانها، ومشاريعها تستمر وتتطور.
الدولة القوية هي التي تملك مشروعًا أكبر من الأشخاص.
فالأشخاص يأتون ويذهبون، لكن المشروع الوطني يبقى. تتغير الحكومات، لكن الرؤية تستمر. يتقاعد المسؤولون، لكن المؤسسات لا تتوقف.
لقد بنى كثير من الناس مشاريع شخصية، لكن الدول العظيمة بُنيت بمشاريع وطنية.
ولهذا فإننا بحاجة إلى أن نعيد الاعتبار إلى العلم، والتخطيط، والخبرة، والكفاءة.
بحاجة إلى احترام المهندس والطبيب والباحث والأستاذ والخبير ورجل الميدان، وإلى الاستفادة من تجارب من خدموا الوطن وامتلكوا المعرفة والتجربة، بدل هدر الخبرات وتهميش الكفاءات.
فلا يمكن أن نطلب من دولة أن تتقدم إذا كانت لا تستمع إلى عقول أبنائها.
ولا يمكن أن نواجه تحديات المستقبل بعقلية الماضي.
ولا يمكن أن نبني تنمية حقيقية إذا كان كل مسؤول يبدأ من الصفر، ويهدم ما سبقه، ويعمل فقط لإثبات ذاته.
إننا بحاجة إلى استمرارية الدولة، وإلى تراكم التجارب، وإلى تحويل الأخطاء إلى دروس، والنجاحات إلى نماذج.
إن العبرة التي استخلصتها من قصة ذلك الرجل ليست في شخصه وحده، ولا في كونه جاسوسًا تخفى بلباس الفقيه، وإنما في الطريقة التي كانت بها دولة استعمارية تخطط لمشروعها وتدرس المجتمع الذي تريد التغلغل فيه.
وإذا كان غيرنا قد وظف العلم والمعرفة لخدمة مشروع الهيمنة، فإن واجبنا اليوم هو أن نوظف العلم والمعرفة في خدمة مشروع التحرر والتنمية والكرامة.
علينا أن نعرف وطننا أكثر من أي أجنبي.
علينا أن ندرس مجتمعنا أكثر من أي باحث وافد.
علينا أن نعرف نقاط ضعفنا لكي نعالجها، ونقاط قوتنا لكي نستثمرها.
إن الوطن الذي لا يعرف نفسه جيدًا، قد يجد غيره يعرفه أكثر منه.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة بسيطة وعميقة :
الدول لا تُبنى بالصدفة، ولا تُدار بالارتجال، ولا تستقر بالرياء وإظهار القوة والتقدم. إنما تُبنى بالعلم، والتخطيط، والمؤسسات، والكفاءات، والعقلاء الذين يحملون مشروعًا وطنيًا صادقًا، لا بالفراقشة والانتهازيين والمفسدين .
فلا ينبغي أن نخدع أنفسنا بالمظاهر، ولا أن نخلط بين الضجيج والإنجاز، ولا بين الشعارات والمشاريع، ولا بين القوة المعلنة والقوة الحقيقية.
فالدولة القوية ليست التي تُكثر من الحديث عن قوتها، وإنما التي تُحسن معرفة نفسها، وتعرف أين تريد أن تصل، ثم تملك العقل والخطة والإرادة للوصول.
فلنعتبر…فالتاريخ ليس مجرد قصص نرويها عن الماضي، بل هو مدرسة نفهم بها الحاضر ونستعد من خلالها للمستقبل.
والأمم التي لا تستخلص الدروس من تاريخها، قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة دروسه بطريقة أكثر قسوة .