آثار ارتفاع الأسعار على القدرة الشرائية للمواطن
اعداد لشكر عبدالله.
ارتفاع الأسعار لم يعد “خبراً اقتصادياً” في النشرات فحسب ، بل صار حديث القاصي و الداني ، في ورشة الميكانيكي والنجار ، والمتزوج وغير المتزوج . لقد أصبح العدو الصامت الذي يدخل لكل بيت بلا استئذان ويسرق من كل شيء نصيبا من لقمة العيش ، وهذا تحليل لآثاره الحقيقية على جيب المواطن.
*أولاً: ما هي القدرة الشرائية ؟ ولماذا تنهار ؟
القدرة الشرائية ببساطة هي “كمية السلع والخدمات التي تشتريها بنفس الراتب”. وتنهار لما ترتفع الأسعار أسرع من ارتفاع الأجور. وهذا يسمى “التضخم” .
مثال حي على ذلك من الواقع المعاش :
– سنة 2021 : أجرة المواطن 4000 درهم كانت تشري “قفة” كاملة بـ 500 درهم.
– سنة 2026 : نفس “القفة” اليوم بـ 750 درهم، والأجرة ما زالت 4000 درهم.
– النتيجة : يخسر المواطن 250 درهم من قوته الشرائية = 6.25% من الراتب ذهبت ادراج الرياح .
*أسباب الارتفاع الحالية :
1. اسباب خارجية : حرب الشرق الأوسط، إغلاق مضيق هرمز، ارتفاع النفط والأسمدة عالمياً.
2. اسباب داخلية : توالي سنوات الجفاف، كلفة النقل، والمضاربة في سلاسل التوزيع.
*ثانياً: الآثار المباشرة.. 5 ضربات على جيب المواطن :
**1. تآكل الدخل : أصبح الراتب لا يكفي الشهر. ولم يعد التفكير في”العيد الكبير”، ولكن ” كيف استطيع تدبير مصاريف آخر 10 أيام”. وهذا ساهم في تحول الطبقة المتوسطة إلى فقيرة وهي صمام أمان المجتمع.
**2. تغيير السلوك الغذائي : الاستغناء عن اللحم والحوت، التقليل من الخضر والفواكه، والاتجاه لشراء المعلبات . واثر ذلك في سوء التغذية عند الأطفال، وارتفاع الأمراض المزمنة على المدى الطويل.
**3. السقوط في الديون : مثل”الكريدي” و”الكاش بلوس” و”أمانة” لتغطية الضروريات، وليس الكماليات ، كما اصبح السلف من العائلة عاديا. واسقط الكل في عبودية الدين : والنتيجة المواطن يعمل فقط لتسديد الديون، وانتهى أمر الادخار أو الاستثمار.
**4. تجميد أحلام الأسرة : تأجيل الزواج، تأجيل الإنجاب، إيقاف دروس الدعم للأبناء، بيع السيارة، إلغاء العطلة الصيفية، وتبدأ ارهاصات التعايش مع الغلاء والوضعية الاجتماعية الجديدة ..
**5. التوتر النفسي والاجتماعي : ارتفاع نسبة القلق، حالات الشجار الأسري على المصروف، الشعور بالعجز والدونية. وآثار سلبية منها تفكك التماسك الأسري وانتشار الإحساس بـ”الحكرة” وعدم العدالة.
*الخلاصة : التضخم ليس رقماً في تقرير بنك المغرب. التضخم هو أم تنقص من وجبة ولدها، وأب يتهرب من نظرة ابنته وطلباتها ..
*ثالثاً : الآثار غير المباشرة.. كيف تضرب الاقتصاد كله؟
1. *شلل الاستهلاك : 60% من اقتصاد المغرب قائم على الاستهلاك الداخلي : يصبح اقتصار المواطن على الضروري فقط، ارتفاع الكساد التجاري، نقص الإنتاج، وارتفاع البطالة.
2. *انهيار الادخار : ” البنوك ، المقاولات. موت الاستثمار ” .
3. *فقدان الثقة : فقدان الثقة في العملة. وهذا سيزيد اضعاف الدرهم ويرفع الأسعار أكثر.
4. *هجرة الكفاءات : التضخم يصبح دافعاً للهجرة، والبلد يخسر أدمغته .
*رابعاً: من المتضرر الأكبر؟ ومن المستفيد؟
*المتضررون بالترتيب:
1. *أصحاب الدخل الثابت*: الموظف، المتقاعد، الأجير. راتبه مستقر لكن الأسعار في ارتفاع .
2. *الطبقة المتوسطة: لأنها تستهلك أكثر.
3. *الشباب : أول من يؤجل أحلامه وأول من يدفع ثمن الأزمة.
*المستفيدون :
1. *المدينون الكبار : صاحب القرض الكبير، قيمة الدين تنقص مع التضخم.
2. *المضاربون : الذين يشترون السلع ويقومون بتخزينها من أجل بيعها بعد ذلك باثمنة غالية.
3. *أصحاب الأصول : ملاك العقار، الذهب، العملة الصعبة. قيمتها ترتفع مع التضخم.
*خامساً: الحلول.. هل من أمل؟
*1. على مستوى الدولة:
– * يجب على الدولة تقديم تعويض مالي للأسر الهشة بدل دعم المواد، وان يصل للمواطن مباشرة لقطع الطريق على الوسطاء.
– * العمل على مراقبة المحتكرين والمضاربين بقوة القانون، وتقصير سلاسل التوريد من الفلاح للمستهلك.
– * رفع الأجور والمعاشات في علاقة بمؤشر الأسعار سنوياً.
– *دعم الإنتاج المحلي : كل درهم استثمر في الفلاحة والطاقة اليوم يمنع تضخماً غداً.
*الخلاصة النهائية :
الدولة مسؤولة عن حماية القدرة الشرائية قبل صناديق الاقتراع لأنها أساس الاستقرار ،ومسألة ارتفاع الأسعار ليست قدراً بل هو نتيجة سياسات الحكومة ، والمواطن مسؤول عن ترشيد الاستهلاك لأنه أساس النجاة.