مجهر الصحراء : كتاب الرأي
حسن المولوع
العميد حسن المولوع
لم تنجح كل سياسات الإلهاء في حجب الحقيقة.. لم تفعلها المهرجانات، ولا حفلات النجوم، ولا برامج الترفيه، ولا مسابقات التلفزيون، ولا كرة القدم التي يصفها كثيرون بـ”أفيون الشعوب”.. فكل ذلك لم يستطع أن يقنع آلاف الشباب بالبقاء في وطن لم يعودوا يرون فيه مساحة تكفي لأحلامهم، ولا أفقا يتسع لطموحاتهم، بعدما تآكلت ثقتهم في المستقبل وفي قدرة الواقع على أن يمنحهم فرصة حياة كريمة..
هم لا يجهلون أن الضفة الأخرى ليست جنة.. يدركون جيدا أن أوروبا ليست فردوسا، وأن الغربة لها أثمانها القاسية.. لكنهم بلغوا مرحلة لم يعودوا يقارنون بين الجنة والجحيم، بل بين واقع يلفظهم وأمل، ولو كان هشا، يمنحهم فرصة البدء من جديد.. لذلك سقطت في نظرهم المقولة القديمة “اللهم قطران بلادي ولا عسل البلدان”.. لقد سئموا القطران، ولم يعودوا يخشون قطران الآخرين، حتى وإن كان العسل هناك مجرد وهم..
حين خرج شباب جيل “زد” مطالبين بأبسط الحقوق، وُوجه كثير منهم بحملات تشويه واتهامات وتخوين، وتعرض بعضهم للتوقيف أو المتابعة وفق ما وثقته وقائع متعددة.. فحتى الاحتجاج، الذي يفترض أن يكون وسيلة للتعبير، أصبح في نظر كثيرين محفوفا بالخوف والحسابات.. وكل حركة احتجاجية تُختزل سريعا في روايات المؤامرة والأيادي الخفية، بينما يغيب السؤال الأكثر إلحاحا ..لماذا أصبح هذا الشباب أصلا مستعدا للاحتجاج أو للمغادرة؟
واليوم يتكرر المشهد نفسه.. آلاف الشباب يحاولون الفرار، فيُطرح السؤال التقليدي.. من يقف وراءهم؟ وكأن المشكلة تكمن دائما في المحرّك، لا في قابلية الناس للاستجابة.. فلو وجد هؤلاء وطنا يحتضن أحلامهم، ويصون كرامتهم، ويوفر لهم حدا أدنى من الأمل، لما أغرتهم دعوات الهجرة، ولا استهوتهم أمواج الموت..
المؤلم أن الهجرة لم تعد خيارا فرديا لشاب يائس فقط، وإنما تحولت عند كثير من الأسر إلى مشروع إنقاذ.. آباء وأمهات يبحثون عن أي منفذ يضمن لأبنائهم مستقبلا خارج الحدود، بعدما فقدوا الثقة في أن المستقبل يمكن أن يُبنى داخل الوطن..
صحيح أن أوروبا ليست مدينة فاضلة، وهي تعاني بدورها من أزمات وتحديات.. لكن كثيرين ينظرون إليها باعتبارها فضاء تتوافر فيه مؤسسات أكثر قدرة على حماية الحقوق، وأنظمة صحية أكثر انتظاما، وقضاء أكثر استقلالا، وصحافة تملك هامشا أوسع للمساءلة والنقد.. وهذه الصورة، سواء اتفقنا معها كليا أو جزئيا، هي التي تدفع الناس إلى المخاطرة، لا أوهام الرفاه وحدها..
أنا لا أشجع الهجرة غير النظامية، ولا أعتبرها حلا..فهي طريق محفوف بالمخاطر وقد ينتهي بالموت أو الاستغلال أو الضياع.. لكنني، في المقابل، أتفهم دوافع أولئك الذين وصلوا إلى مرحلة لم يعودوا يفرون نحو أوروبا، وإنما يفرون من واقعهم.. إنهم لا يبحثون عن الجنة… بل عن مكان يشعرون فيه بأن كرامتهم ليست ترفا، وأن الإنسان يُعامل باعتباره إنسانا، وأن الأمل ليس جريمة..
لقد صُرفت سنوات في صناعة الفرجة، وكأن الترفيه يمكن أن يكون بديلًا عن الكرامة.. فكل أدوات الإلهاء كانت حاضرة، لكن الغائب الأكبر ظل هو الأمل.. فالجائع إلى المستقبل لا تشبعه الأغاني، والعاطل عن العمل لا يعالج ألمه مهرجان، ومن فقد ثقته في مؤسسات بلده لا يستعيدها بحفل أو مباراة.