في رحاب الأسماء الحسنى
الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى
د. عبد الكريم بكار

يحدثُ في لحظات “العجز البشري” أن نشعر بضآلةٍ مخيفة، وكأننا مجرد أرقامٍ عابرة في عالمٍ مادي شاسع وبارد. ننظر إلى “أخطائنا” فنخشى الطرد، وننظر إلى “حاجاتنا” فنخشى الحرمان، ويغرق الكثير منا في وجع “الوحشة الروحية”؛ ذلك الشعور بأننا وحدنا في مواجهة أقدارنا، بلا سندٍ يحملنا أو فضلٍ يغمرنا.
(ماذا يعني الرحمن؟):
هنا يأتي اسم (الرحمن) ليجتثَّ جذور القلق من أرواحنا. ففي فقه اللغة والشرع، “الرحمن” هو الذي وسعت رحمته “الذاتية” كل شيء؛ هي صفةٌ لازمة له سبحانه كقدرته وعلمه. وحين نقرأ في القرآن الكريم: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، ندرك حقيقةً مذهلة؛ أنَّ الذي يدبر شؤون المجرات والذرات، والذي يهيمن على هذا الكون، لم يستوِ بصفة الجبروت بل بصفة “الرحمة”.
إن “الرحمن” يعني أنَّ أصل العلاقة بين الخالق والوجود هو “العطاء قبل الاستحقاق”؛ فهو الذي يظلنا برحمته قبل أن نطلب، ويرزقنا قبل أن نوحد، ويمدنا بالهواء ونحن غافلون عنه. إنها الرحمة الشاملة التي سبقت الغضب، كما في الحديث القدسي: “إنَّ رحمتي سبقت غضبي”.
العلاج الحقيقي لآلامنا يبدأ حين نتوقف عن معاملة الله بـ “عقلية الأجير” (الذي لا يأخذ إلا بقدر ما يفعل)، ونبدأ بمعاملته بـ “عقلية العباد للرحمن”. إنَّ اسم (الرحمن) يطمئننا بأنَّ أبواب الفضل مفتوحة لا تُغلق بزلّة، وأنَّ “قانون الرحمة” هو الذي يحكم الوجود؛ فإمساك السماء أن تقع رحمة، وستر العيوب رحمة، وحتى الابتلاء الذي يطهر الروح هو تجلٍ من تجليات (الرحمن).
نحن نعيش في “جزءٍ واحد” من مائة جزء من الرحمة، به يتراحم الخلق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه. فكيف بيأسٍ يتسلل إلى قلوبنا ونحن بين يدي من ادخر “تسعة وتسعين جزءاً” من رحمته لعباده؟
ومضة ختامية:
الرحمن ليس مجرد اسم، بل هو “أمانٌ كوني”. إذا استوحشنا من قسوة الناس، فلنتذكر أننا في كنف من رحمته وسعت كل شيء. لا نجعل ذنوبنا تحجبنا عن “الرحمن”، فهو الذي سمى نفسه بهذا الاسم لنعلم أنه يُحب أن يرحمنا أكثر مما نحب نحن أن نُرحم.