تحليل ديناميات المفاوضات الجارية في الشرق الأوسط.. مقاربة في الفاعلين والبنى والمآلات
تحليل بدعم الذكاء الاصطناعي
تشكل المفاوضات الجارية في الشرق الأوسط منذ 7 أكتوبر 2023 حالة مركبة من “التفاوض تحت النار”، تتقاطع فيها أربعة مستويات: الميداني، الإنساني، الإقليمي، والدولي. هذه الورقة تحللها باستخدام مقاربة الواقعية الجديدة في العلاقات الدولية، مع أدوات تحليل النزاعات من مدرسة هارفارد للتفاوض. الفرضية المركزية: استمرار حالة “اللاتوازن البنيوي” بين الفاعلين، وغياب “ضامن موثوق” و”أفق سياسي”، يجعل المسار التفاوضي يدور في حلقة “إدارة الأزمة” بدل “حل النزاع “.
*أولاً: الإطار النظري والمنهجي :
1 – الواقعية الجديدة : الدول والفاعلون من غير الدول يسعون لتعظيم الأمن والبقاء في نظام فوضوي. القوة العسكرية والتحالفات هي المتغير المستقل.
2 – نظرية التفاوض : نستدعي مفاهيم “المصالح vs المواقف”، “البديل الأفضل للاتفاق المتفاوض عليه BATNA”، و”منطقة الاتفاق المحتملة ZOPA”. كل طرف يقيم كلفة “لا اتفاق” مقابل مكاسب “الاتفاق”.
منهجياً، نعتمد تحليل الخطاب الرسمي، وتتبع المسارات التفاوضية عبر تقارير الوسطاء، وتفكيك بنية الحوافز لكل فاعل.
*ثانياً: خريطة الفاعلين والبنى التفاوضية :
المفاوضات الجارية “متعددة الطبقات” وتُدار عبر “دبلوماسية المسارات المتوازية”. الفاعلون يتوزعون على 3 مستويات:
1- الأطراف المباشرة: قوة وكلفة الحرب
* إسرائيل :
– أوراق القوة : التفوق العسكري والجوي.
– المصالح الجوهرية : استعادة الردع + نزع سلاح غزة.
– البديل الأفضل BATNA : استمرار الحرب، لأن كلفتها أقل من كلفة قيام دولة فلسطينية.
* حماس :
– أوراق القوة : ورقة الأسرى + الشرعية الميدانية.
– المصالح الجوهرية : البقاء السياسي + وقف الإبادة + رفع الحصار.
– البديل الأفضل BATNA : حرب استنزاف طويلة أفضل من الاستسلام.
2 – الوسطاء الإقليميون: النفوذ مقابل الفوضى :
* مصر : الورقة = الجغرافيا ومعبر رفح.
* قطر : الورقة = التمويل وقناة التواصل مع حماس.
* السعودية : الورقة = التطبيع.
* المصلحة المشتركة : منع الفوضى الحدودية + تثبيت الدور الإقليمي.
* كلفة فشل الوساطة = فقدان النفوذ + انفجار حدودي.
3 – القوى الدولية : توازنات ومصالح كبرى :
* الولايات المتحدة : نقط قوتها هو المال والسلاح والفيتو ، ومصلحتها هي منع حرب إقليمية + حماية إسرائيل. وبديلها دعم إسرائيل عسكرياً مع تحميل كلفة على السمعة الدولية.
* الصين/روسيا : أوراقها = الفيتو + تقديم بديل دبلوماسي.
ومن مصلحة الصين كسر أحادية الوساطة الأمريكية. وبديلها ترك الأزمة تستنزف أمريكا.
* الاتحاد الأوروبي : فاعل ثانوي بمواقف منقسمة، وأوراقه المساعدات والضغط الدبلوماسي.
*النتيجة البنيوية : تعدد الفاعلين والمسارات يمنح الأطراف المباشرة هامش مناورة كبير، ويطيل أمد التفاوض، لأن كل طرف يقارن بين عروض الوسطاء ويختار الأقل كلفة له.
* الاستنتاج البنيوي : تعدد الوسطاء يمنح الأطراف المباشرة “قدرة مناورة”، فينتقلون من عرض إلى عرض، ما يطيل أمد التفاوض ويضعف الضغط. هذا ما يسميه زارتمان “نضج النزاع”: الأطراف لن تتفاوض بجدية إلا إذا وصلت لـ”مأزق مؤلم متبادل ” .
*ثالثاً: تفكيك سلة القضايا التفاوضية :
المفاوضات تدور حول 3 حزم مترابطة، وفشل واحدة يعني فشل الكل:
*1. الحزمة الإنسانية-الأمنية: الصفقة المرحلية
تشمل وقف إطلاق نار مؤقت + تبادل أسرى + إدخال مساعدات. هذه الحزمة وصلت لمنطقة ZOPA عدة مرات، لكنها تنهار بسبب غياب الثقة. إسرائيل تخشى أن يكون وقف النار فرصة لإعادة تسلح حماس. حماس تخشى أن تسلم الأسرى ثم تستأنف إسرائيل الحرب. هذه “معضلة السجين” الكلاسيكية.
*2. الحزمة السياسية: “اليوم التالي” :
جوهر الاستعصاء التفاوضي. لا توجد ZOPA أصلاً هنا:
– الموقف الإسرائيلي: لا لحماس ولا للسلطة الفلسطينية في حكم غزة. حل أمني فقط.
– الموقف الأمريكي-العربي: عودة سلطة فلسطينية “متجددة” كجسر لحل الدولتين.
– موقف حماس: لا نزع للسلاح ولا خروج من المشهد.
النتيجة: فجوة بين المواقف لا يغطيها أي بديل واقعي حالياً.
*3. الحزمة الإقليمية: الصفقة الكبرى:
واشنطن تربط وقف الحرب بمسار التطبيع السعودي-الإسرائيلي إضافة إلى ترتيبات أمن إقليمي لمواجهة إيران.
طهران وأذرعها يستخدمون التصعيد العسكري كـ”تفاوض بالنار” لرفع كلفة أي صفقة تستثنيهم. التفاوض هنا غير مباشر ويُدار عبر الوسطاء والرسائل الصاروخية.
*رابعاً: المحددات البنيوية المُعيقة للاتفاق :
1 – هيمنة الجبهات الداخلية : نظرية “اللعبة ذات المستويين” لروبرت بوتنام تفسر الجمود. نتنياهو أسير لائتلاف يميني يرفض وقف الحرب، وقيادة حماس أسيرة لخطاب “النصر أو الشهادة”. أي قائد يقدم تنازلاً حقيقياً يسقط داخلياً.
2 – أزمة الضامن الموثوق : كل اتفاق يحتاج “طرفاً ثالثاً” يضمن التنفيذ بالقوة. أمريكا فقدت الحياد بنظر الطرف الفلسطيني. الأمم المتحدة مشلولة بالفيتو. لا قوة دولية مستعدة للانتشار في غزة. بدون ضامن، الاتفاقات حبر على ورق.
3 – غياب الأفق السياسي : التفاوض على “إدارة الأزمة” دون أفق “إنهاء الصراع” يجعل كل اتفاق هدنة مؤقتة فقط. الأطراف تفاوض على شروط الجولة القادمة من الحرب، لا على السلام.
*خامساً: السيناريوهات الاستشرافية
بناء على تحليل BATNA لكل طرف، نرجح 3 سيناريوهات بدرجات احتمال:
1 – السيناريو الراجح 65%: الهدن المتقطعة وإدارة الصراع
اتفاقات مرحلية قصيرة المدى لإطلاق أسرى ومساعدات، تتخللها فترات عودة للقتال. هذا يخدم مصلحة كل الأطراف تكتيكياً: إسرائيل تخفف الضغط الدولي، وحماس تلتقط الأنفاس، والوسطاء يسجلون إنجازاً.
2.- السيناريو الممكن 25%: الصفقة الشاملة بضغط أمريكي
يتطلب فوز إدارة أمريكية جديدة مستعدة للضغط على إسرائيل، وتغير الحكومة الإسرائيلية. يشمل وقف حرب دائم + انسحاب + إعمار مقابل مسار سياسي موثوق. هذا هو “السلام بالقوة” لكن كلفته الداخلية عالية على واشنطن وتل أبيب.
3 – السيناريو الكارثي 10%: الانفجار الإقليمي
فشل كل المسارات + حادث كبير كاجتياح رفح أو حرب مع لبنان
يؤدي إلى دخول إيران وأمريكا مباشرة. وهذا كل الفاعلين يتجنبونه لأنه يدمر الجميع.
*خاتمة: نحو نموذج تفاوضي جديد؟
الخلاصة الأكاديمية أن مسار التفاوض الحالي محكوم بالفشل البنيوي لأنه يفاوض على “الأعراض” -الأسرى والهدنة- وليس على “المرض” -غياب الأفق السياسي. الخروج من المأزق يتطلب:
1 – تغيير معادلة الحوافز : ربط إعادة الإعمار والاندماج الإقليمي والاعتراف السياسي بتنازلات متبادلة، بحيث تصبح كلفة خرق الاتفاق أكبر من كلفة احترامه.
2 – خلق ضامن متعدد : آلية خماسية أمريكية-مصرية-قطرية-سعودية-أوروبية بقوات فصل وتفويض أممي، لضمان التنفيذ.
3 – إعادة تعريف النصر : الانتقال من منطق “المجموع الصفري” إلى “المكسب المتبادل”. أمن إسرائيل الدائم مقابل دولة فلسطينية قابلة للحياة. بدون هذا، ستبقى المفاوضات تدور في دائرة مفرغة من الهدن والدم.
المفاوضات الجارية تختبر فرضية بنيوية: هل الشرق الأوسط قادر على إنتاج تسوية تاريخية تحت الضغط، أم أن بنيته لا تسمح إلا بإدارة الصراع؟ حتى الآن، البيانات ترجح الثانية.