مجهر الصحراء : كتاب الرأي.
د. عبدالكريم بكار
أخطر ما قد يُسلب من الإنسان… ليس النعمة
قال الله تعالى:
﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: 5].
تأمل هذه الآية طويلًا…
إنها لا تتحدث عن قومٍ سُلبوا أموالهم.
ولا عن قومٍ فقدوا صحتهم.
ولا عن قومٍ هُزموا في معركة.
إنها تتحدث عن شيءٍ أخطر من ذلك كله…
القلب.
فالقرآن يخبرنا أن الانحراف الكبير لا يبدأ فجأة.
بل يبدأ بانحرافٍ صغير، قد لا يلتفت إليه صاحبه.
قال تعالى:
﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾.
أي أنهم هم الذين بدأوا بالميل عن الحق.
لم يكن الميل في بدايته سقوطًا مدويًا، وإنما كان انحرافًا يسيرًا في الإرادة، أو في النية، أو في الاستجابة لأمر الله.
ثم كانت النتيجة:
﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾.
وهنا يقف المؤمن خائفًا.
لأن العقوبة لم تكن في المال…
ولا في البدن…
ولا في الجاه…
بل في أن يصبح القلب نفسه عاجزًا عن رؤية الحق كما كان يراه من قبل.
ولهذا كان الصالحون يخافون من الذنوب، لا لأنها تُنقص الحسنات فحسب، بل لأنها قد تُغيّر القلب.
فالإنسان لا يستيقظ يومًا ليقول:
“اليوم سأترك الطريق المستقيم.”
بل يبدأ الأمر بتساهلٍ صغير…
ثم يتكرر.
ثم يعتاده.
ثم يألفه.
ثم يصبح الحق ثقيلًا على قلبه.
وهذا من أعظم ما يخشاه المؤمن.
ولهذا أيضًا كان من أكثر دعاء النبي ﷺ:
«يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك.»
فسألته أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها:
أوَإن القلوب لتتقلب؟
فقال ﷺ:
«ما من قلبٍ إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه.»
فإذا كان رسول الله ﷺ، وهو أعظم الناس إيمانًا، يكثر من سؤال الله الثبات…
فكيف بمن دونه؟
ولعل هذا يفسر لنا دعاءً عجيبًا ورد في القرآن.
قال تعالى:
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: 8].
تأمل…
لم يقولوا:
اهدنا.
بل قالوا:
لا تُزِغْ قلوبنا بعد إذ هديتنا.
لأنهم أدركوا أن بداية الهداية نعمة…
لكن بقاءها نعمة أعظم.
ولهذا فإن المؤمن لا يغتر بطاعةٍ أداها.
ولا بعلمٍ حصله.
ولا بمنصبٍ بلغه.
ولا بثناء الناس عليه.
لأنه يعلم أن القلوب تتغير، وأن الثبات منحة من الله، لا حقًا مكتسبًا.
وأن الإنسان قد ينجح في امتحان الشدة…
ثم يعجز عن النجاح في امتحان الرخاء.
وقد يصبر على البلاء…
ثم يهزمه الإعجاب بالنفس.
ومن هنا نفهم سرَّ كثرة الدعاء في القرآن.
فالدعاء ليس لأن المؤمن يجهل الطريق…
بل لأنه يعلم أن السير فيه يحتاج إلى معونة الله في كل خطوة.
ولهذا، فإن أعظم ما يمكن أن يسأل العبد ربَّه ليس طول العمر…
ولا كثرة المال…
ولا علو المنزلة…
بل أن يخرج من الدنيا بقلبٍ سليم، لم يزغ بعد أن هداه الله.
فإن القلب إذا استقام…
استقام معه كل شيء.
وإذا فسد…
لم تُغنِ عنه بقية النعم شيئًا.
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89].