مجهر الصحراء : كتاب الرأي
بقلم د. حسام الدين فياض،أكاديمي وباحث سوري.
من فساد الفرد إلى فساد المجتمع
… ” الإنسان الفاسد لا يأخذ مالاً بغير حق فحسب، بل يبيع أمانته التي اؤتمن عليها، ويسهم في ضياع حقوق الناس، وما يبدأ منفعةً شخصية ينتهي بإضعاف الثقة والعدالة التي تقوم عليها الحياة الاجتماعية ” (الكاتب).
يهدف المقال إلى توضيح كيف يتجاوز سلوك المرتشي حدود المنفعة الشخصية، ليتحول من ممارسة فردية إلى سلوك اجتماعي يؤثر في طبيعة العلاقات بين الأفراد، ويضعف الثقة والعدالة، ويسهم في تطبيع الفساد وإضعاف التضامن الاجتماعي.
يمارس المرتشي فساده داخل المجتمع قبل أن يمارسه داخل وظيفته، لأنه لا يأخذ المال لنفسه فقط، بل يغير طبيعة العلاقة التي تربطه بالآخرين. فعندما يجعل الخدمة التي يفترض أن يؤديها بحكم وظيفته مشروطة بمقابل، فإنه يحول العلاقة من الثقة إلى المساومة، ومن المساواة في المعاملة إلى البحث عن المنفعة. ومع تكرار السلوك، يمتد أثره إلى نظرة الناس إلى حقوقهم وإلى معنى العدالة في حياتهم اليومية.
يتشكل الانحراف داخل الفرد عبر قدرته على التوفيق بين صورته عن نفسه وسلوكه الفعلي. فقد يرى الرشوة تعويضاً، أو ممارسة شائعة، أو استجابة لواقع لا يستطيع تغييره. ومع التكرار، تصبح السلطة التي يمتلكها بحكم وظيفته مورداً قابلاً للاستثمار، ويغدو احتياج الآخر فرصة للمنفعة الخاصة. ولا يحتاج الفساد إلى شخص يرفض القيم العامة صراحة، يكفي أن يعيد تأويل سلوكه بما يخفف عنه الشعور بالتناقض.
ينتقل هذا التحول إلى المواطن عندما يكتشف أن القاعدة المعلنة ليست وحدها التي تحدد نتيجة المعاملة. فإذا أصبح الدفع يختصر الطريق، أو فتحت العلاقة الشخصية باباً مغلقاً أمام الآخرين، يتعلم الفرد التعامل مع الواقع وفق قواعده الفعلية. عندها تنشأ الرشوة بوصفها علاقة اجتماعية تقوم على توقعات متبادلة، فالموظف يتوقع المقابل، والمراجع يتوقع أن الخدمة لن تسير بدونه، والمجتمع يتعامل مع الممارسة باعتبارها أمراً يمكن السكوت عنه. وهكذا تتكون قاعدة غير مكتوبة تجعل الرشوة سلوكاً متوقعاً داخل الحياة اليومية.
ومع استقرار هذا النمط يتغير معنى العدالة، فيصبح الوصول إلى الحق مرتبطاً بالقدرة على الدفع أو التأثير أو امتلاك العلاقات، بدلاً من الاستحقاق وفق القاعدة العامة. ويصبح المورد الذي يفترض أن يكون متاحاً للجميع قابلاً للتفاوض، ويتحمل من يفتقر إلى المال أو النفوذ كلفة أكبر، لا لأن حقه أقل قيمة، وإنما لأن قدرته على التعامل مع القواعد غير الرسمية أضعف. وبذلك يمنح الفساد التفاوت القائم وسيلة إضافية لإعادة إنتاج نفسه، ويربط الوصول إلى بعض الموارد بموقع الفرد داخل شبكات النفوذ والمصلحة.
كما تتراجع الثقة عندما تصبح النتائج غير قابلة للتوقع وفق القواعد المعلنة. والمواطن الذي لا يعرف ما إذا كان حقه سيحصل عليه بالاستحقاق أم بالعلاقة أم بالدفع، يعيد تنظيم سلوكه على أساس الشك، وقد يلجأ بدوره إلى الوسائل غير الرسمية لحماية مصالحه. وبذلك تتكون دائرة تعزز نفسها، فالفساد يضعف الثقة بالقوانين، وضعف الثقة يدفع إلى الالتفاف عليها، ومع تكرار هذا السلوك تتراجع فاعلية القوانين في تنظيم السلوك وتوجيهه.
ويبلغ الفساد الأخلاقي مداه عندما تتبدل نظرة المجتمع إلى الفعل ذاته، فيغدو ما كان يعتبر تجاوزاً أمراً يمكن تبريره أو التساهل معه. ومن يرفض الدخول في هذه الدائرة قد يبدو أقل قدرة على حماية حقوقه، بينما يجد الفساد بيئة تتكيف معه وتتعامل معه بوصفه جزءاً من الواقع. عند هذه النقطة لا يعود المرتشي مستفيداً من خلل قائم فقط، بل يصبح أحد الفاعلين في تطبيعه وإعادة إنتاجه.
وتظهر الكلفة الأوسع في المجتمع الذي يصبح أكثر حذراً في علاقاته وأقل استعداداً لتطبيق القوانين العامة. مما يضعف التضامن وتحقيق العدالة عندما يشعر الفرد أن حاجته يمكن أن تتحول إلى فرصة لاستغلاله، وأن حصوله على حقه قد يتوقف على قدرته على الدفع أو النفوذ. وعندئذ لا يستهلك الفساد الموارد المادية وحدها، بل يستنزف رأس المال الاجتماعي الذي يقوم عليه التعاون والثقة والاعتماد المتبادل.
وفي نهاية المطاف، لا يفسد المرتشي المعاملة التي يأخذ ثمنها فقط، بل يسهم في تغيير الطريقة التي يتعلم بها الناس التعامل مع بعضهم. فالخطر الأعمق للرشوة يبدأ عندما يصبح التجاوز أكثر فاعلية من الالتزام، وتصبح القدرة على الوصول إلى المناصب والخدمات والحقوق أهم من الاستحقاق وتكافؤ الفرص. عندها يتجاوز الفساد صاحبه والمعاملة التي باعها، ليصبح جزءاً من منطق الحياة الاجتماعية، وتغدو الخسارة الحقيقية في تآكل الاعتقاد بأن الحقوق يمكن أن تنال بالحق، وأن العلاقات يمكن أن تقوم على الثقة، وأن المجتمع قادر على الحفاظ على تماسكه دون تحويل حاجات أفراده إلى فرص للانتفاع.
نصيحتي لك، لا تجعل حاجات الناس فرصة لمصلحتك، ولا تجعل موقعك سبباً في خسارة ما بنيته من سمعة ومكانة. فالمال الحرام الذي يأتي بغير وجه حق قد يمنحك منفعة عابرة، لكنه قد يتركك أمام خسارة لا تعوض، في الدنيا والآخرة. فالمكانة الحقيقية لا تبنى بما يحصل عليه الإنسان من موقعه، وإنما بما يتركه من أثر طيب في حياة الناس، وبقدر ما يحفظ من حقوقهم ويصون ثقتهم به. أليس كذلك أصدقائي الأعزاء؟