مجهر الصحراء : لشكر عبدالله
ابدأ مقالتي هاته بهذا الاستنتاج :
لا يمكن محاربة الفساد بموظف محبط، ولا يمكن بناء إدارة بموظف فاسد .
1 – إشكالية العلاقة :
الموظف العمومي يقف في نقطة تقاطع خطيرة: بين بيروقراطية خانقة تشل حركته، وبين فساد إداري يغريه بتجاوز القانون.
البيروقراطية حين تتحول من أداة تنظيم إلى غاية في ذاتها، تصبح أرضية خصبة لإنتشار الفساد ؛ وحين يضعف القانون، يجد الموظف نفسه مخيرا بين تعطيل المصلحة أو تسهيلها خارج الإطار .
2 – أوجه التشابك بين البيروقراطية والفساد :
البيروقراطية هي كثرة المساطر وتعدد التوقيعات وبطء اتخاذ القرار والنتيجة تأخير وتعقيد الخدمة العمومية .
بينما الفساد الإداري فهو استغلال المنصب لتحقيق منفعة شخصية والنتيجة الإجهاز على مبدأ المساواة والشفافية .
وتعد البيروقراطية المفرطة سببا رئيسيا للرشوة، والرشوة هي التي تعيد إنتاج البيروقراطية لتبرير وجودها.
3 – أسباب وقوع الموظف في هذا الفخ :
أ – ضغط النظام :
وتتمثل في المساطر غير الواضحة، غياب الرقمنة، المسؤولية بدون صلاحيات .وهنا يصبح الموظف مجرد منفذ دون فهم.
ب – ضعف التكوين والأجور :
عندما لا يجد الموظف تقديرا ماديا ومعنويا، تضعف لديه مناعة رفض الإكراميات ويبدو متهاونا أحيانا في عمله .
ج – غياب المحاسبة :
إذا كان الفاسد لا يُحاسب والمنضبط لا يُكافأ ، لاشك أن ذلك سيخل بميزان القيم داخل الإدارة .
4 – انعكاسات ذلك على الإدارة والمواطن :
* على الإدارة : من خلال هدر الزمن والمال العام، قتل روح المبادرة لدى الموظف الكفء وفقدان الثقة .
* على المواطن : الشعور بالظلم، اللجوء للمحسوبية والزبونية وفقدانه الثقة في الدولة.
* على الموظف نفسه : تمزق نفسي بين واجبه القانوني وبين ضغط الواقع ، فإما أن يتمرد بالفساد أو يستسلم بالجمود .
5 – خلق مقومات النجاح والإستمرارية :
التحرر لا يكون بجلد الموظف فقط، بل بإصلاح المنظومة ككل من خلال :
1 – تبسيط المساطر ورقمنتها :
الإدارة الرقمية تقلص الاحتكاك البشري وبالتالي فرص الفساد ، ويمكن تجسيدها في منصة واحدة وقرار واحد.
2 – ربط المسؤولية بالمحاسبة :
حماية الموظف النزيه ومعاقبة الفاسد بشكل فوري وعلني.
3 – تكوين وتحفيز :
تحفيز بأجر محترم وتطوير بتكوين مستمر وترقية بالكفاءة . فالموظف الذي يشعر بمكانته وقيمته يدافع عن المؤسسة.
4 – تغيير الثقافة الإدارية :
الانتقال من ثقافة المنع إلى ثقافة الخدمة ، وترجمة واقعية لشعار الموظف والادارة في خدمة المواطن يجب أن يتحول من شعار إلى ممارسة وواقع معاش.
الخلاصة :
الموظف ليس هو المشكل، بل هو في الغالب ضحية لنسق .
والحل ليس في مزيد من القوانين، بل في إدارة ذكية، شفافة، ومحفزة تعيد للموظف كرامته ودوره في خدمة الصالح العام .