دبلومات وشهادات..وهشاشة في الأداء.
بقلم : د . عبدالكريم بكار
تبذل الأسر المعاصرة جهوداً غير مسبوقة، وتستنزف موارد مالية ونفسية هائلة في سبيل تعليم الأبناء. لم يشهد التاريخ مرحلة بلغ فيها القلق العائلي تجاه “التحصيل الدراسي” هذا المبلغ؛ حيث تُعلن حالات الطوارئ القصوى في البيوت مع كل موسم امتحانات.
لكن، وبشكل يبعث على الحيرة، تفرز هذه الماكينة التعليمية الصارمة جيلاً هو الأكثر حيازة للشهادات المرتفعة، ولكنه في الوقت ذاته الأكثر هشاشة وقلقاً وارتباكاً عند الاصطدام بأول اختبار حقيقي خارج أسوار المدرسة.
إن هذا التناقض الصارخ يدعو لتفكيك العلاقة بين “التعليم المدرسي” و”التربية للحياة”، وهو ما يكشف عن ثلاثة أفخاخ كبرى يقع فيها النظام التعليمي والتربوي الحديث:
1. اختزال الإنسان في “رقم” (تضخم العلامات) :
لقد تحولت المؤسسات التعليمية إلى ما يشبه خطوط الإنتاج التي تقيس جودة الإنسان برقم عشري. يُحتفى بالطالب الحاصل على 99% وكأنه ضمن النجاة الأبدية، بينما يُعامل الحاصل على 70% وكأنه مشروع فاشل.
هذا الاختزال المدمر يلغي الذكاءات المتعددة، ويتجاهل مهارات أساسية لا يمكن قياسها بورقة وقلم؛ مثل: القدرة على التفاوض، الذكاء العاطفي، النزاهة، ومهارة العمل ضمن فريق. وحين يُبرمج العقل الشاب على أن قيمته ومحبة أهله مشروطة بحصوله على “العلامة الكاملة”، فإنه يفقد ثقته بنفسه بمجرد تخرجه ودخوله في سوق عمل لا يعترف بكشوف العلامات، بل يعترف بـ “ماذا تستطيع أن تفعل؟”.
2. تقديس “الإجابة النموذجية” وإعدام الابتكار :
يقوم التعليم التقليدي على قاعدة واحدة: هناك سؤال معروف، وله “إجابة نموذجية” واحدة، وأي خروج عن هذا النص يُعاقب عليه بخصم الدرجات.
المأساة أن الحياة الحقيقية لا تعمل بهذا المنطق الإطلاق؛ فمشكلات الحياة المعقدة (كإدارة أزمة مالية، أو التعامل مع مدير متسلط، أو بناء أسرة مستقرة) ليس لها إجابة نموذجية واحدة. الحياة تكافئ المرونة، والمحاولة، والقدرة على رؤية زوايا متعددة للحل. وحين يُعاقب الطالب على الخطأ طوال اثني عشر عاماً دراسياً، فإنه يتخرج كائناً يرتعب من التجربة، ويُفضل البقاء في منطقة الراحة على أن يجازف فيخطئ.
3. مصادرة “الصلابة النفسية” باسم التفرغ للدراسة :
تحت شعار “دعه يركز في دراسته”، تقوم الكثير من الأسر بإلغاء كافة المسؤوليات الحياتية عن كاهل الطالب؛ فلا يُكلف بشراء غرض، ولا بإصلاح عطل، ولا بإدارة ميزانية صغيرة. يُعزل تماماً في “صوبة زجاجية” ليحفظ المقررات.
هذا الحرمان من الاحتكاك اليومي بتفاصيل الحياة يسرق من الطالب أهم مادة يجب أن يتعلمها وهي “الصلابة النفسية”. فالذي لا يواجه رفضاً، ولا يتحمل مسؤولية قرار خاطئ، ولا يتعلم كيف ينهض بعد عثرة صغيرة في طفولته ومراهقته، سينهار تماماً عند أول صدمة مهنية أو اجتماعية تواجهه في سن العشرين.
البوصلة المفقودة: من “التحفيظ” إلى “التمكين”
إن الخروج من هذا المأزق يتطلب تغييراً جذرياً في النظرة إلى مفهوم النجاح، وذلك عبر مسارات عملية:
فصل القيمة الإنسانية عن الأداء الأكاديمي: يجب أن يدرك الأبناء أن تعثرهم في مادة دراسية لا يعني فشلهم في الحياة، وأن الشهادة المدرسية هي “مفتاح” لباب واحد، وليست الأبواب كلها.
الاحتفاء بـ “شجاعة المحاولة” لا بالنتيجة فقط: تحويل بوصلة الثناء من “كم درجة حصلت؟” إلى “ماذا تعلمت من هذا الخطأ؟ وكيف ستحله في المرة القادمة؟”.
منهج “الشارع والمسؤولية”: إعادة دمج الأبناء في الحياة الحقيقية عبر تكليفهم بمهام منزلية ومالية واجتماعية، توازي في أهميتها – بل وتفوق – حفظهم للمقررات الدراسية.
إن وظيفة التعليم والتربية ليست تعبئة العقول بالمعلومات التي يمكن استدعاؤها بضغطة زر عبر أي محرك بحث، بل وظيفتها صناعة عقول قادرة على التفكير الناقد، ونفوس تمتلك من الصلابة ما يكفي لمواجهة عالم شديد التغير والتقلب.
إعادة النظر في مفاهيم التربية والتعليم ضرورة ملحة لإنقاذ الأجيال القادمة من وهم “السباق الآمن”. مشاركة هذا الطرح تفتح أبواباً للحوار الجاد، وتدعو للتأمل في التجارب العملية حول كيفية الموازنة بين التفوق الأكاديمي والنجاح الحياتي.