ظواهر تخلق الملل لدى الأطفال
د . عبدالكريم بكار
من الظواهر التربوية اللافتة في هذا العصر…
أن كثيرًا من الأطفال يعيشون وسط وفرة هائلة من الألعاب ووسائل الترفيه، ومع ذلك يرددون باستمرار:
“لا يوجد شيء ممتع… أشعر بالملل.”
وهنا تظهر مفارقة عجيبة:
كل وسائل التسلية متوفرة،
لكن القدرة على الاستمتاع تتراجع.
لقد أصبح بعض الأطفال ينتقلون بسرعة من لعبة إلى أخرى، ومن مقطع إلى آخر، ومن شاشة إلى أخرى… دون أن يستقر انتباههم طويلًا على شيء واحد.
والمشكلة هنا ليست في نقص الترفيه،
بل في “الإشباع المفرط” الذي أفقد كثيرًا من الأطفال متعة الأشياء البسيطة، وقدرتهم على الاكتشاف الهادئ والتفاعل الطبيعي مع الحياة.
فالدماغ حين يعتاد التدفق السريع للمؤثرات البصرية والصوتية القادمة من الشاشات، يبدأ تدريجيًا في فقدان حساسيته تجاه الأنشطة العادية الهادئة.
فتبدو الألعاب التقليدية مملة،
والقراءة بطيئة،
والجلوس مع الأسرة أقل إثارة،
ويصبح الطفل محتاجًا دائمًا إلى جرعات أعلى من التحفيز اللحظي حتى يشعر بالمتعة.
ولهذا، فإن بعض حالات “الملل” الحديثة ليست فراغًا حقيقيًا…
بل نتيجة مباشرة لاعتياد العقل على الإثارة المستمرة.
كما أن جزءًا من المشكلة يعود إلى نمط التربية القائم على التلبية الدائمة.
فبعض البيوت — بحسن نية — تحاول إزالة أي شعور بالضيق أو الفراغ من حياة الطفل فورًا:
لعبة جديدة،
أو شاشة،
أو نشاط سريع،
أو استجابة فورية لكل رغبة.
لكن الطفل الذي لا يتعلم كيف يتعامل مع الفراغ والانتظار والهدوء…
قد يكبر وهو عاجز عن توليد الدافعية من داخله.
ولهذا، فإن من المهم تربويًا إعادة الاعتبار لما يمكن تسميته “الملل الإيجابي”.
فالملل أحيانًا ليس مشكلة يجب الهروب منها فورًا،
بل مساحة تدفع الطفل للتخيل، والتفكير، والاختراع، والبحث عن بدائل بنفسه.
وكثير من مهارات الإبداع والاستقلالية تبدأ أصلًا من لحظات الفراغ الهادئة التي يتعلم فيها الطفل كيف يشغل نفسه دون اعتماد دائم على التحفيز الخارجي.
كما أن إشراك الأبناء في بعض المسؤوليات اليومية البسيطة يمنحهم شعورًا بالقيمة والانتماء.
فالطفل الذي يساعد داخل البيت،
أو يعتني بشيء يخصه،
أو يشارك في نشاط عائلي حقيقي…
يخرج تدريجيًا من عقلية “المستهلك الدائم” إلى الإحساس بأنه جزء فاعل من الحياة حوله.
وفي النهاية، فإن ما يحتاجه الأبناء فعلًا ليس المزيد من وسائل الترفيه فقط،
بل بيئة متوازنة تمنحهم:
الاهتمام،
والقرب العاطفي،
والحوار،
والهدوء،
ومساحة للنمو الطبيعي بعيدًا عن التدفق الرقمي المستمر.
فالتربية الناجحة لا تقوم على إلغاء كل صعوبة من طريق الأبناء،
بل على مساعدتهم ليصبحوا أكثر قدرة على التعامل مع الحياة بوعي واتزان ونضج داخلي.