من إنذار 48 ساعة إلى مهلة 5 أيام — ماذا يجري فعلاً؟
بقلم: عبداللطيف مشرف
أستاذ مساعد التاريخ السياسي بجامعة ماردين آرتوكلو
مشهد حافة الهاوية
المشهد المعقد الذي يجمع بين حافة الهاوية والدبلوماسية الخشنة، في ظل التطورات المتسارعة التي نعيشها اليوم في مارس 2026. إن التحول من مهلة الـ 48 ساعة إلى 5 أيام ليس تراجعاً، بل تكتيك سياسي مدروس.
*أولاً: التفسير الاستراتيجي لتقلب المواعيد (تكتيك الصدمة والترطيب) :
ما قام به ترامب هو تطبيق كلاسيكي لنظرية الرجل المجنون، لرفع سقف التهديد ثم منح مخرج طوارئ فجأة:
امتصاص رد الفعل: المهلة الأولى استهدفت كسر الجمود ووضع القيادة الإيرانية تحت ضغط قرار الانتحار أو الاستسلام.
اختبار الجاهزية: مراقبة تحركات الصواريخ الإيرانية ومنصات الإطلاق استخباراتياً خلال الـ 48 ساعة الأولى.
تثبيت الأسواق: تهدئة أسعار النفط المشتعلة عبر الحديث عن مفاوضات، لمنح الاقتصاد العالمي أنفاساً قبل التصعيد.
*ثانياً: معضلة المفاوضات (لعبة التناقض العلني)
نحن أمام دبلوماسية الظل، حيث يخدم التناقض الطرفين لأسباب سيادية وداخلية:
منظور ترامب:
يريد أن يظهر بمظهر صانع الصفقات الذي يجنب العالم حرباً عالمية ثالثة بفضل قوته الشخصية. ذكره لأسماء مثل (جاريد كوشنر وستيف ويتكوف) يوحي بأن القنوات ليست رسمية (وزارة الخارجية) بل قنوات خاصة مباشرة مع مراكز قوى داخل إيران (ربما الحرس الثوري أو الجناح البراغماتي في البرلمان).
وانطلاقاً من سلوكه، يمكن فهم رؤية ترامب على مستوى الإطار الاستراتيجي:
الهدف الاستراتيجي الأعلى: إعادة فتح مضيق هرمز بأقل كلفة سياسية وأمنية، مع استمرار الضغط على إيران لضمان إضعافها على المدى الطويل، وليس تغيير النظام.
الأدوات المستخدمة: الإنذار العام (48 ساعة) كوسيلة لزيادة التوتر والضغط على الرأي العام العالمي والداخلي. التمديد (5 أيام) كمساحة للدبلوماسية السرية والمساومة غير المباشرة. الحديث عن محادثات قوية لتحويل السرد من الحرب العسكرية إلى مفاوضات متعثرة، مع إبقاء باب التصعيد مفتوحاً.
الحسابات الداخلية: مع اقتراب موعد الانتخابات الوسطى في 2026، يولد ترامب سيناريوهات: إما يظهر الحسم إذا تم حل أزمة المضيق، أو يحمل إيران التعجرف إذا استمر الإغلاق، فيوسع قاعدة دعمه الشعبوي داخل أمريكا.
منظور إيران:
بعد خسارة القيادة العليا في 28 فبراير، لا يمكن لأي مسؤول إيراني الاعتراف بالتفاوض مع واشنطن تحت التهديد؛ لأن ذلك سيعني انهياراً عقائدياً أمام القواعد الشعبية للحرس الثوري. لذا، النفي الإيراني هو درع شرعية داخلي، حتى لو كانت هناك رسائل متبادلة عبر تركيا أو سلطنة عمان أو سويسرا أو غيرهما.
*ثالثاً: السيناريوهات الاستشرافية :
بناءً على المعطيات، نحن أمام أربعة مسارات محتملة خلال الأيام الخمسة القادمة:
السيناريو الأول: الصفقة الكبرى
اتفاق يقضي بفتح المضيق مقابل تجميد جزئي للعقوبات وتصدير كميات محددة من الطاقة.
السيناريو الثاني: الضربة الجراحية للبنية التحتية
استهداف محطات الكهرباء الكبرى لشل الدولة داخلياً دون الدخول في غزو بري شامل.
السيناريو الثالث: حرب الاستنزاف الهجين
استمرار الإغلاق الجزئي مع مناوشات بحرية محدودة، وهو السيناريو الأخطر على الاقتصاد العالمي.
السيناريو الرابع: الانهيار الداخلي المفاجئ
تصدع هيكل السلطة في طهران تحت ضغط التهديد الوجودي، مما يؤدي لتغيير راديكالي في المواقف.
*رابعاً: المؤشرات :
حركة الناقلات: تقييم شركات التأمين الدولية للمخاطر.
تصريحات الوسطاء: أي تلميح من تركيا أو عُمان أو قطر يؤكد صحة وجود قنوات خلفية.
تحركات الميدان: وضعية منصات الصواريخ الساحلية التابعة للحرس الثوري.
الخلاصات الاستراتيجية
التحرك الأمريكي هو دبلوماسية المسدس على الطاولة، فالتصريحات لا تؤخذ في عين التحليل إنما الإشارات فيما وراء هذه التصريحات، فالآلة العسكرية دوماً يصاحبها التصريحات والإشاعات المزيفة (الحرب النفسية). فالتراجع الزمني هو إعادة تموضع وليس ضعفاً، وربما تجهز لعملية كبرى في الشرق الأوسط وتعمل مناورة. وما زلت أؤكد أن ثمة شيء ما يجهز للمنطقة فيما وراء أحداث إيران، فإيران البداية، فيا ترى من القادم وعلى من ستكون النهاية؟
نحن في مرحلة تكسير أصابع. ترامب اشترى الوقت ليرى من سيصرخ أولاً، والصمت الفعلي في الميدان هو المؤشر الحقيقي على نجاح المفاوضات السرية بعيداً عن ضجيج الإعلام.
الصراع على مضيق هرمز يساوي الصراع على الطاقة العالمية. المنطقة تتحول إلى ساحة اختبار للقوى الكبرى. القادم هو لا حرب ولا سلام بل إدارة صراع طويلة. ما يحدث ليس تناقضاً بل استراتيجية: ضغط عسكري عالٍ بالإضافة إلى تفاوض غير معلن يساوي فرض شروط دون حرب.
الأزمة الحالية ليست مجرد تصعيد عسكري، بل إعادة تشكيل لقواعد الاشتباك الإقليمي عبر مزيج من الضغط والتفاوض. الفهم الدقيق للإشارات أهم من متابعة التصريحات، إذ أن ما يجري فعلياً هو إدارة أزمة تحت سقف القوة وليس اندفاعاً نحو الحرب.
ما بين إنذار 48 ساعة لإيران لفتح مضيق هرمز بالقوة، ثم التمديد إلى 5 أيام والإعلان عن محادثات قوية بينما تنفي طهران وجود أي مفاوضات مباشرة، نشهد تجسيداً حقيقياً لنظرية القفزة والانكماش في السياسة الدولية:
التصعيد الإعلامي والعسكري لفرض واقع ضغط على الأسعار والأسواق.
التمديد كمساحة للدبلوماسية الخلفية وبناء سرد التفاوض الناجح، حتى إن لم يكن رسمياً.
المؤكد أن الهدف ليس فقط إعادة فتح المضيق، بل إعادة ضبط موازين القوة في الشرق الأوسط بلا حرب شاملة، مع تحول الصراع إلى حرب باردة أكثر تنظيماً. ترامب يطبق نموذج الضغط الأقصى مع المرونة التكتيكية. الإنذار كان سيفاً، والتمديد غصن زيتون مشروطاً. هذا ليس ضعفاً كما يراه البعض، بل يراه إعادة تموضع لاستغلال الضعف الإيراني (حرب مستمرة 4 أسابيع، اقتصاد منهار، عزلة دولية) لفرض شروطه، أو يجعلها حجة على الإيرانيين داخلياً وخارجياً بأنها هي من رفضت المفاوضات فيعطي شرعية انهيار داخلي أو شرعية دولية وتحالف دولي لضربها.
ما نشهده ليس دبلوماسية تقليدية، بل إدارة أزمة بالإيهام المتبادل؛ ترامب يهدد ليتفاوض، وإيران تنكر لتتفاوض، وكلاهما يعرف ذلك. الخطر الحقيقي ليس في نوايا الطرفين، بل في احتمال أن تخرج الأمور عن السيطرة قبل اكتمال الصفقة خلال النافذة الخمسية. في أزمات كهذه، المهم ليس ما يقال علناً، بل من يتحرك في الكواليس، وما الذي تقوله أسعار النفط كل صباح؛ فالاقتصاد هو البوصلة الحقيقية لفهم نوايا الأطراف.
السيناريو الأرجح هو صفقة مقنعة عبر وسيط تباع أمريكياً كانتصار لترامب وإيرانياً كصمود أرغم العدو وكلاهما سيصفق لنفسه. بينما العالم ينفس الأزمة بهدوء، ونحن من ندفع الثمن من جغرافيتنا وربما من ارتداد لهذه الحرب على عدم استقرار كثير من دولنا ومن ممراتنا للأسف الشديد ونحن نشاهد ونقول ماذا حدث؟
لذلك، فإن القراءة السطحية لهذه التطورات باعتبارها مجرد تصريحات متناقضة تفوت جوهر ما يحدث. نحن أمام إعادة هندسة للتوازنات، تستخدم فيها الأدوات العسكرية كوسيلة ضغط، لا كغاية نهائية. في النهاية، ليس السؤال هو: هل ستقع الحرب؟ بل السؤال الأهم: من سينجح في فرض قواعد اللعبة الجديدة دون أن يخوضها؟ هل نسير نحو تهدئة محدودة أم نحو تصعيد محسوب؟ المراقبة في الأيام القادمة هي اختبار حقيقي للذكاء الاستراتيجي لا للهمس الإعلامي فقط.