تفكيك المشهد: ما وراء الضباب الدبلوماسي وحروب الظل
د. عبداللطيف مشرف.
تحت غطاء الأحداث المتلاحقة وكثافة “الضباب الدبلوماسي” الذي يلف المنطقة، تتواري حقيقة بنيوية مفادها أننا لسنا بصدد نزاع ثنائي عابر، بل أمام إعادة تشكيل للمجال الحيوي في الشرق الأوسط. إن الصراع الراهن يتجاوز ثنائية (واشنطن-طهران) ليتحول إلى مواجهة متعددة الأبعاد تتصادم فيها الرؤى الكونية للمنطقة، ويمكن تلخيص جوهرها الاستراتيجي في المحاور التالية:
1. التصدع البنيوي في العقيدة السياسية الأمريكية
لم تعد واشنطن تتحدث بلسان واحد؛ حيث يعيش صانع القرار الأمريكي حالة من الانشطار الاستراتيجي بين مدرستين:
مدرسة “الصفقة الكبرى” (Grand Bargain): التي تنظر إلى طهران كقوة إقليمية يمكن احتواؤها وإدماجها في نظام أمني مستقر لضمان التفرغ لمواجهة التنين الصيني.
مدرسة “تغيير السلوك أو النظام”: التي ترى في النظام الإيراني عائقاً أيديولوجياً غير قابل للترويض، وتؤمن بأن أي تقارب هو منح طوق نجاة لخصم استراتيجي.
2. الهاجس الوجودي والمعادلة الصفرية الإسرائيلية
تتحرك تل أبيب وفق عقيدة أمنية صارمة ترفض مبدأ “التعايش مع إيران نووية أو ذات نفوذ إقليمي ممتد”. بالنسبة لإسرائيل، أي اتفاق دبلوماسي لا يفكك “الأذرع الإقليمية” لإيران هو مجرد تأجيل للمواجهة الحتمية؛ لذا فهي تسعى جاهدة لعرقلة أي تفاهمات قد تمنح طهران شرعية دولية أو ثقلاً اقتصادياً يعزز من مشروعها الجيوسياسي.
3. المعضلة الإيرانية: توازن “البقاء” و”السيادة”
تجد القيادة في طهران نفسها في “فخ استراتيجي” معقد؛ فهي تدرك أن الاستقرار الاقتصادي الداخلي يمر عبر بوابة رفع العقوبات، لكنها في الوقت ذاته محكومة بـشرعية ثورية تمنعها من تقديم تنازلات جوهرية قد تُفسر محلياً أو إقليمياً على أنها “انكسار جيوسياسي”. إنها تحاول صياغة “نصر معنوي” يغلف ضرورة اقتصادية ملحة.
الخلاصة الاستراتيجية
الحقيقة التي يخفيها الصراع هي أن المنطقة تمر بمرحلة “مخاض القوة”؛ حيث لم يعد الصراع على “من يحكم؟” بل على “بأي قواعد سيُدار الإقليم في العقود القادمة؟”. إن الضباب الدبلوماسي الحالي ليس إلا ستاراً لعمليات “عض الأصابع” بانتظار لحظة التوازن التي تسبق الانفجار الشامل أو التسوية الكبرى.