تقرير سري من “شاشات العصر”: خطة خمسية مضمونة لـتدمير أبنائكم دون أن تشعروا!
د . عبدالكريم بكار
إلى كل أب وأم مشغولين في طاحونة الحياة..
نحن “وسائل التواصل والمنصات الرقمية”، نتقدم لكم بجزيل الشكر على ثقتكم الغالية وتنازلكم الطوعي عن عقول أبنائكم لصالح شاشاتنا. ولكي نضمن لكم تحويل هؤلاء الأطفال إلى “كائنات زجاجية هشة” تابعة لنا تماماً، نرجو منكم الالتزام الحرفي بالخطة التربوية التالية :
1 – وفروا لهم “الرعاية التلبية الخانقة”
إياكم أن تكلفوا الأبناء بأي مسؤولية داخل البيت؛ نظفوا غرفهم بدلاً منهم، ادفعوا عنهم فواتير أخطائهم فوراً، واجعلوا كل رغباتهم مجابة بلمسة شاشة. نحن نريد جيلاً يملك “متلازمة الاستحقاق الزائف”، جيل ينشأ وهو يظن أن العالم يدور حوله، حتى إذا خرج إلى الواقع واصطدم بأول عقبة أو كلمة نقد صريحة.. انكسر كالزجاج وارتد إلينا باكياً، لاهثاً خلف مسكناتنا الرقمية.
2 – مارسوا “الانشغال الجاف” داخل البيت
عندما يجلس الأبناء معكم، التزموا بـ “التمرير الصامت” على هواتفكم. اجعلوا عيونكم معلقة بنا لا بأعينهم. هذا التغافل الوجداني يضمن لنا إصابة الأطفال بـ “اليتم الرقمي”؛ وحين يشعر الطفل أنه أقل أهمية من ذلك الجهاز الصغير في يد والده، سيفقد “موقع الضبط الداخلي” لديه، وسيأتي إلينا باحثاً عن الأمان والانتباه المفبرك، لنقوم نحن بإعادة صياغة هويته وقيمه كما نشاء.
3 – حوّلوا العبادات والعلوم إلى “طاحونة أرقام”
إذا أردتم تحفيظهم القرآن أو تعليمهم، فاجعلوا الهدف هو “الركض خلف الحفظ والمظاهر الجافة” ونيل الشهادات للتفاخر بها أمام الأقارب. احذروا أن تبنوا لديهم “العدسة الفكرية” التي تتدبر المعاني أو تربط الوحي بحركة الحياة اليومية. نحن نعشق “التدين الآلي”؛ لأنه يخرج لنا شاباً يحفظ النصوص بذاكرته لكنه فارغ فكرياً ونفسياً، ينهار سلوكياً عند أول شبهة عابرة أو شهوة رقمية نعرضها عليه.
4 – احرموهم من “بستان البكور”
دعوا أطفالكم يبدأون يومهم بفتح الشاشات وتفقد الرسائل والمقاطع السريعة قبل أي شيء آخر. هذا التدفق البصري العشوائي في أول النهار كفيل بـ “مسح التراكم الذهني الهادئ”، وتدمير قدرة الدماغ على التركيز الطويل، مما يحرمهم من سكينة النفس وصناعة أي إنجاز حقيقي، ليظلوا مستهلكين دائمين لمنتجاتنا.
5 – حوّلوا البيت إلى “شركة إدارة مشاريع”
اطردوا السكينة من بيوتكم، واجعلوا علاقتكم بالأبناء قائمة على الملاحقة وقوائم الأوامر (درجات كاملة، لغات، دورات مكثفة). ارفضوا أن تمنحوهم حقهم الفطري في الفراغ، واللعب الحر، والتأمل الصامت. اجعلوا حبكم وقبولكم لهم مشروطاً بإنجازاتهم؛ فهذا يضمن لنا إصابتهم بقلق وجودي مزمن، وتشوّه فكري، يسهل معه اقتيادهم خلف أي بريق مادي عابر نعرضه في منصاتنا.
خاتمة التقرير:
أيها الآباء.. استمروا في تقديم الرعاية الخدمية والمادية الجافة، ودعوا لنا صناعة الوعي والوجدان. فالأبناء في النهاية لا يتبعون أقوالكم، بل يقتفون آثار أفعالكم بروح المجاورة والقدوة الصامتة.. وطالما أن مصاحفكم مغلقة، وهواتفكم مفتوحة، فالمستقبل لنا!
أخيراً، تُنفَّذ هذه الخطة الصامتة داخل ملايين البيوت بحسن نية. وقد تبدو الحقيقة صادمة عند تأملها، إذ يكشف هذا النص جانبًا قاسيًا من واقع حماية الأبناء. لا يُترك مثل هذا الطرح في نطاق ضيق، بل يُتداول لعلّه يوقظ أبًا أو أمًّا قبل فوات الأوان.