الحياة بين ما نختاره وما نعتاده… ” قد يعيش الإنسان حياةً تشكلت من اختياراته الصغيرة، ثم ينسى أنه كان قادراً على اختيار غيرها ” (الكاتب).
يهدف المقال إلى تحليل كيفية تشكل مسار حياة الفرد تحت تأثير اختياراته اليومية ومحيطه الاجتماعي، والكشف عن تداخل العادات والعلاقات وتوقعات الجماعة في توجيه هذه الاختيارات، وأثر ذلك في قدرة الفرد على اختيار مساره بوعي.
يعيش الناس جميعاً في الوقت نفسه، لكنهم يختلفون في الطريقة التي يوزعون بها وقتهم على العمل والعلاقات والالتزامات وما يمنحونه أهمية في حياتهم، وهذا الاختلاف يكشف جانباً من القيم والأولويات التي تحكم اختياراتهم اليومية. وقد أصبح الانشغال في الحياة اليومية، في كثير من السياقات، علامة اجتماعية على الأهمية والفاعلية، حتى غدا ازدحام المواعيد وكثرة الالتزامات دليلاً يتباهى به البعض، وكأن قيمة الإنسان تقاس بمدى امتلاء يومه.
بذلك يتحول الانشغال أحياناً من وسيلة لإنجاز ما يستحق إلى غاية تستنزف الوقت، لأن المجتمع لا يكتفي بتحديد ما ينبغي فعله، بل يشارك أيضاً في تحديد ما ينبغي أن يبدو مهماً. وكم من مشغول أنهى يومه مثقلاً بما فعل، ثم اكتشف أنه لم ينجز ما كان ينبغي أن يمنحه اهتمامه. عندئذ يظهر الفرق بين المشغول والمنجز، فالمشغول يستجيب غالباً لما يملأ يومه، أما المنجز فيحدد ما يستحق أن يملأه. ومن ثم تصبح الأولويات موقفاً من الحياة، لأنها تكشف ما اختاره الإنسان لنفسه، وما قبل به تحت تأثير العادة والضغط الاجتماعي.
وتتضح الأولويات أكثر في العلاقات، لأن الوقت الذي يمنحه الإنسان للآخرين يكشف مكانتهم في حياته. قد يكون الانشغال حقيقياً، وقد تضيق الأيام بالمسؤوليات، لكن استمرار الصلة يكشف مع الوقت ما إذا كان ضيق الوقت ظرفاً عابراً أم ترتيباً مستقراً للأهمية. ومن يقدر إنساناً يبحث عن مساحة تحفظ العلاقة، ولو كانت محدودة، لأن القرب الحقيقي لا يقاس بكثرة اللقاء بقدر ما يقاس بصدق الحضور. لذلك لا تقاس الرفقة بقرب المسافة ولا بكثرة الحديث، وإنما بما تمنحه من صدق وأمان واحترام. قد يعيش شخص إلى جوارك ولا تجد معه معنى الصحبة، بينما يبقى آخر بعيداً عنك في المكان وقريباً منك في الموقف والود.
فليست كل القلوب لكل الدروب، لأن الطريق يكشف اختلاف القيم أكثر مما تكشفه المجاملات. ومع ذلك يستمر بعض الناس في علاقات فقدت معناها، لا لأنهم ما زالوا يجدون فيها ما يحتاجونه، بل لأن مغادرتها قد تعني مواجهة العزلة، أو أحكام الآخرين، أو خسارة قبول اعتادوه.
وبذلك لا يكون اختيار الرفيق مجرد تفضيل شخص على آخر، بل اختياراً للبيئة الاجتماعية التي تتشكل داخلها أجزاء من نظرتنا إلى أنفسنا وإلى العالم. فبعض العلاقات توسع قدرتنا على الاختيار، وبعضها يجعل الاختلاف مكلفاً، ويدفعنا إلى تكرار ما اعتدناه حفاظاً على القبول.
عندها تصبح العادة قوة اجتماعية لا مجرد تكرار لسلوك، فهي تمنح المألوف شعوراً بالأمان حتى عندما يفقد صلته بما نريده. يعتاد الإنسان مكاناً أو علاقة أو طريقة في التفكير، ثم يدافع عنها لأنها أصبحت جزءاً من حياته، وقد يخلط بين الاستقرار وصحة الاختيار. ومع مرور الوقت يصبح الخروج عن المألوف أكثر صعوبة، لا بسبب الرغبة في البقاء وحدها، بل بسبب ما يرافق التغيير من أحكام وتوقعات وخوف من فقدان المكانة أو الانتماء. وعند هذه النقطة يتدخل الماضي، لا بوصفه ذاكرة شخصية فحسب، بل بوصفه خبرة اجتماعية يمكن أن تتحول إلى معيار يقيس به الإنسان حاضره، ويحدد به ما يظنه ممكناً في مستقبله.
لذلك لا يحتاج الإنسان إلى محو ماضيه، بل إلى إعادة وضعه في مكانه الصحيح. فالماضي يحمل خبرة لا ينبغي إهدارها، لكنه يصبح عبئاً عندما يتحول إلى مرجع دائم يكتب للحاضر قراراته، وللمستقبل حدوده. وقد تستمر آثاره من خلال الصور التي تعلمناها عن أنفسنا، والأدوار التي اعتدنا أداءها، والتوقعات التي يضعها الآخرون لنا. تجعلنا تجربة مؤلمة أكثر حذراً، وقد يدفعنا فشل سابق إلى توقع الفشل من جديد، وقد تجعلنا علاقة انتهت نقرأ كل علاقة لاحقة بعين التجربة القديمة. عندها لا تعود الذاكرة مجرد استعادة لما حدث، بل تصبح طريقة لإعادة إنتاجه في الحاضر. والحكمة أن يأخذ الإنسان من الأمس ما يوسع وعيه، لا ما يضيق حاضره، فالماضي، مهما كان ثقيلاً، مرحلة تركت أثرها وانتهت، وليس مكاناً ينبغي أن يقيم فيه الإنسان بقية حياته.
عندئذ يصبح المستقبل مجالاً للاختيار، لا امتداداً آلياً لما سبق. فالإنسان الذي يسمح لماضيه بأن يحدد اختياراته يعيش داخل طريق رسمته التجربة من قبله، بينما يستعيد قدرته على بناء مساره عندما ينظر إلى الماضي بوصفه معرفة لا حكماً نهائياً.
كما أن العيش وفق الأحلام التي نطمح إليها لا يعني تجاهل الواقع، بل رفض أن يتحول الواقع المألوف إلى الحد الأعلى لما يمكن أن تكون عليه الحياة. غير أن اختيار طريق جديد لا يحدث بعيداً عن المجتمع، فالإنسان يواجه توقعات الأسرة، ونظرة الجماعة، وضغط العادة، والخوف من أن يبدو مختلفاً عن الصورة التي اعتاد الآخرون أن يروه من خلالها. لذلك فإن اختيار حياة تشبه ما نتمناه ليس قراراً فردياً خالصاً، بل فعل يتطلب أحياناً مراجعة أدوار ورثناها، ومعايير تعلمناها، وحدوداً اعتدنا اعتبارها طبيعية. وقد يكون أصعب ما في الأمر أن الطريق الذي نريده قد لا يشبه الطريق الذي ألفناه، وأن مغادرة المألوف تحتاج أحياناً إلى شجاعة أكبر من الاستمرار فيه.
وهكذا لا تتشكل حياة الإنسان من قرارات كبرى فقط، بل من اختيارات صغيرة تتكرر حتى تكتسب قوة العادة، ثم تتحول إلى مسار يبدو بعد سنوات وكأنه حدث من تلقاء نفسه. وقد تدعم الجماعة هذا المسار بالقبول أو الصمت، فيصعب على الفرد مساءلة ما اعتاد عليه أو الاعتراف بأنه لم يعد يشبهه.
لذلك قد يعيش الإنسان سنوات داخل حياة لم يخترها دفعة واحدة، وإنما استمر فيها خطوة بعد أخرى، لأن كل خطوة منفردة بدت صغيرة وغير جديرة بالمراجعة. ومن هنا يبدأ تغيير المسار من الانتباه إلى التفاصيل التي تصنع الحياة في صمت؛ إلى الوقت الذي نمنحه، والعلاقات التي نحافظ عليها، والعادات التي نكررها، والماضي الذي نسمح له بالتدخل في حاضرنا. فالاختيار الحقيقي لا يعني أن يعيش الإنسان خارج المجتمع، بل أن يميز داخله بين ما يريده عن قناعة، وما يستمر فيه لأن الآخرين اعتادوا أن يروه كذلك.
وفي النهاية، لا يحتاج الإنسان دائماً إلى وقت أكثر، بل إلى وعي أدق بما يستحق وقته. ولا يحتاج إلى كثرة الرفاق، بل إلى من تكون صحبته صادقة وقيمه جديرة بالطريق. ولا يحتاج إلى إنكار الماضي، بل إلى أن يمنحه حجمه الحقيقي، خبرة يتعلم منها لا سقفاً يحدد مستقبله. وحين يراجع الإنسان ما يمنحه وقته، ومن يسمح لهم بمرافقته، وما يقبله باسم العادة، وما يحمله من الأمس إلى الغد، يصبح أكثر قدرة على التمييز بين الحياة التي اختارها والحياة التي استمر فيها. عندها يستطيع أن يترك ما انتهى دون أن ينكره، ويحفظ ما تعلمه دون أن يسكن فيه، ويفتح أمام نفسه مساحة لم تُكتب بعد، ثم يمضي في طريق يشبه ما يتمناه، لا ما اعتاد عليه.
نصيحتي لك، لا تترك حياتك تتشكل وحدها ثم تتساءل بعد سنوات كيف وصلت إلى المكان الذي أنت فيه. كن حاضراً في اختياراتك، وانتبه إلى ما يتحول في يومك إلى عادة، وإلى ما يستمر في حياتك لمجرد أنك اعتدت وجوده. امنح نفسك شجاعة النظر إلى حياتك من الخارج، لا لتدين ما عشته، بل لتعرف ما الذي ما زال يشبهك وما الذي أصبح يحتاج إلى تغيير. تذكر أن الإنسان لا يستطيع اختيار كل ظروفه، لكنه يستطيع أن يشارك في تحديد الاتجاه الذي تمضي إليه حياته. وكلما امتلكت هذه القدرة، أصبح ما تعيشه أقرب إلى ما تريده، وأقل خضوعاً لما صنعته العادة والظروف وتوقعات الآخرين من دون أن تنتبه. أليس كذلك أصدقائي الأعزاء؟