” يتقن البعض انتقاد عيوب المجتمع أمام الناس، لكنهم يعجزون عن تجاوزها في سلوكهم، فيصبح الوعي وسيلة لكسب التقدير لا مسؤولية عن التغيير ” (الكاتب).
يهدف المقال إلى تحليل تحول الوعي الإصلاحي في الفضاء الرقمي إلى وسيلة لاكتساب الاعتراف الاجتماعي، وكشف التناقض بين استعراض الوعي وممارسته، وأثر ذلك في إضعاف فاعلية الخطاب الداعي إلى التغيير.
تحول الفضاء الرقمي المعاصر في الآونة الأخيرة إلى ساحة يتنافس فيها الأفراد على نقد العادات السلبية وكشف اختلالات المجتمع وتقديم النصائح الإصلاحية. غير أن اتساع هذا الخطاب بات يثير مفارقة سوسيولوجية، إذ تتزايد الدعوات إلى الوعي والتغيير دون أن يقابلها بالضرورة تحول ملموس في السلوك الفعلي أو طرح مبادرات واقعية تعالج المشكلات القائمة. وهنا يبرز وجه آخر للظاهرة، حين يصبح الحديث عن الإصلاح وسيلة لإثبات المكانة الاجتماعية أكثر منه مدخلاً لتغيير الواقع.
تتجلى هذه الظاهرة في منشورات ومقاطع تهاجم النفاق الاجتماعي والتعصب والفساد وضعف المسؤولية… إلخ، لكنها تكتفي غالباً بإطلاق الأحكام القيمية والدينية وتكرار النصائح المألوفة. ويتخذ التفاعل، من إعجابات ومشاركات وتعليقات، مؤشراً على نجاح الخطاب، حتى إن لم يتجاوز أثره حدود شاشات الموبايلات. وقد يمنح نشر رسالة توعوية صاحبها شعوراً بأنه أدى واجبه تجاه المجتمع، دون أن يراجع سلوكه أو يشارك في معالجة المشكلة التي ينتقدها.
في هذا السياق، يمكن فهم تسول الوعي بوصفه سعياً إلى اكتساب الاعتراف الاجتماعي عبر استعراض المواقف النقدية وتقديم الذات في صورة الإنسان الواعي والمصلح. فبدلاً من أن تتجسد قيمة الوعي في الفهم والممارسة وتحمل المسؤولية، تصبح صورته المعلنة مصدراً للتقدير والوجاهة. وقد يكتسب الفرد مكانة أخلاقية من إدانة سلوك يمارسه بنفسه، فيما يمنحه الجمهور الإعجاب دون مساءلة التناقض بين أقواله وأفعاله. وهكذا قد يتحول النقد من أداة لمراجعة العلاقات الاجتماعية إلى وسيلة لتعزيز المكانة داخلها.
ويعزز الدور المعاصر لمنصات مواقع التواصل الاجتماعي هذا الاتجاه حين تمنح المحتوى المثير للانفعال فرصاً أوسع للانتشار، وتجعل التفاعل مقياساً ظاهراً للحضور والتأثير. عندئذ قد يصبح انتقاد المجتمع بلغة حادة أكثر جاذبية من تحليل أسباب مشكلاته. فالتنديد بالفساد، مثلاً، يظل قاصراً إذا تجاهل المحسوبية وضعف الرقابة وغياب تكافؤ الفرص، كما أن الدعوة إلى تحمل المسؤولية تفقد واقعيتها إذا أغفلت الظروف الاجتماعية التي تعوق ممارستها. فالنقد السوسيولوجي لا يكتفي بإدانة السلوك الاجتماعي، بل يكشف شروط إنتاجه، ويفسر استمراره، ويحدد إمكانات تغييره.
بذلك تنشأ دائرة من الوعظ والاستهلاك الرقمي المبتذل ، يتكرر فيها إنتاج الرسائل النقدية وتداولها، بينما تبقى الممارسات الاجتماعية على حالها. ولا يعني ذلك أن التوعية في بعض المواقع والصفحات عديمة الجدوى، بل إن قيمتها تتحدد بقدرتها على تجاوز إثارة الانفعال إلى تفسير المشكلات، وتحديد المسؤوليات، واقتراح حلول قابلة للتنفيذ ومتابعة نتائجها. فالفارق جوهري بين خطاب يستثمر استجابة الجمهور لتعزيز حضوره، وخطاب يحوّل الاهتمام بالقضايا الاجتماعية إلى فهم أعمق ومبادرات واقعية.
وتقتضي منا مواجهة هذه الظاهرة إعادة وصل الوعي بالمسؤولية، بأن يتجاوز صانع المحتوى النصائح العامة إلى تقديم تفسيرات وحلول عملية، وأن يتجاوز المتلقي الإعجاب السريع إلى مراجعة المواقف والسلوك. كما تستطيع المؤسسات التعليمية والثقافية والمدنية تحويل النقاش الرقمي إلى مبادرات جماعية تعالج المشكلات في سياقاتها الاجتماعية، بدلاً من إبقائها موضوعاً متكرراً للتداول.
وفي نهاية المطاف، تكشف ظاهرة تسول الوعي عن خلل في العلاقة بين الصورة الاجتماعية والممارسة الفعلية، إذ قد يصبح إظهار الوعي أكثر جاذبية من الالتزام بمقتضياته. وحين تمنح أنماط التفاعل الرقمي الخطاب الإصلاحي تقديراً لا يرتبط بالضرورة بصدقه أو أثره، تكتسب صورة المصلح قيمة تفوق أحياناً قيمة الإصلاح نفسه. فالوعي الذي يستحق الاعتراف لا يقاس بما يعلنه الفرد عن نفسه، بل بقدرته على فهم مشكلات مجتمعه، واتساق سلوكه مع مواقفه، والإسهام الفعلي في تغيير الواقع الذي ينتقده. أليست هذه هي الحقيقة أصدقائي الأعزاء؟