الرجل الحكيم
بقلم د .عبدالكريم بكار
من كتابي: في إشراقة آية
إن من ملامح الأذكياء سرعة البديهة، وإطلاق الأحكام، وسرعة تشكيل المواقف، لكن الحكيم طراز آخر من الناس، فهو بطيء في تكوين معتقداته، وصياغة مقولاته؛ إذ إنه يملك قدرة خاصة على ضرب كل أشكال المعرفة والخبرة في بعضها بعضاً، ليخرج في النهاية بزبدة تتميز عنها جميعاً، لكنها منها جميعاً!.
ويفسِّر بعض الناس ذلك بالعيّ والحَصَر، لكن الأيام تُثبت أن مقولات الحكماء هي بنات عواصف فكرية وشعورية هائلة، لكنها غير منظورة!.
ومن أهم تجليات الحكمة: إدراك حجوم القضايا على وجهها الصحيح؛ فالحكيم يرى الأشياء الكبيرة كبيرةً، كما يرى القضايا الصغيرة صغيرةً كما هي، وتقدير القضايا بصورة صحيحة من أخطر المشكلات التي ظلَّت تواجه البشر على مدار التاريخ، وهل دُمِّرت الحضارات إلا من وراء مشكلات وأخطاء ظنها الناس تافهة، فإذا هي عواصف هوجاء تدمِّر كل ما تأتي عليه!.
الحكيم: رجل يرى ما قبل اللحظة الراهنة، ويستشرف ما بعدها، وهو لا يرى نسقاً أو نظاماً من التداعيات الترابطية، لكنه يرى أنساقاً ونظماً تتوازى، وتتقاطع، وتتصادم، إنه يحسّ بالعاصفة قبل هبوبها، فيحذِّر قومه وينذرهم.
كلنا نرى القضايا بحجمها الحقيقي، لكن بعد فوات الأوان!، وبعد أن نكتوي بنارها، وتفوتنا فرصها الذهبية، لكن الحكيم يأتي في الوقت المناسب، كما قال سفيان الثوري: «إذا أدبرت الفتنة عرفها كل الناس، وإذا أقبلت لم يعرفها إلا العالم»!.