بقلم د عبد الكريم بكار
يُخيَّل إلى بعض الناس أن الكاتب يُصنع حين يتقن اللغة، أو يحفظ عددًا كبيرًا من المفردات، أو يعتاد كتابة المقالات والنصوص. لكن الحقيقة أن الكتابة تأتي في مرحلة متأخرة من رحلة الكاتب. أما البداية الحقيقية فتكون في بناء العقل وتوسيع الأفق وتعميق الفهم.
فالكاتب لا يعيش بالكلمات وحدها، وإنما يعيش بالأفكار. وكلما كانت أفكاره أعمق، كانت كتابته أقدر على البقاء والتأثير.
ومن هنا فإن القراءة ليست هواية جانبية لمن يريد أن يكتب، بل هي المادة الخام التي تتشكل منها شخصيته الفكرية. وليس المقصود بالقراءة أن يقرأ الإنسان في مجال واحد فقط، لأن العقل الذي يتغذى على نوع واحد من المعرفة يظل محدود الرؤية مهما أتقن ذلك المجال.
إن الكاتب يحتاج إلى قراءة التاريخ ليفهم حركة الأمم، وإلى قراءة السير ليعرف كيف تتشكل الشخصيات، وإلى قراءة الأدب ليقترب من النفس الإنسانية، وإلى قراءة الفكر ليتدرب على النظر الكلي للأشياء، وإلى قراءة التربية والاجتماع لفهم الناس والمجتمعات.
والتجربة تدل على أن أكثر الأفكار نضجًا لا تولد من كتاب واحد، بل من التقاء عشرات الكتب داخل عقل واحد. ففكرة تُقرأ في كتاب تاريخ قد يكتمل معناها بكتاب في الاجتماع، وقد تتضح تطبيقاتها في كتاب آخر يتناول التربية أو الإدارة أو بناء الإنسان.
ولهذا فإن القارئ المتنوع يمتلك قدرة أكبر على الربط والتحليل وإنتاج الأفكار الجديدة.
كما أن الكاتب لا يتعلم من الكتب وحدها. فالحياة نفسها مدرسة واسعة. والناس مصدر لا ينضب للتعلم. والكاتب الجيد هو الذي يراقب، ويتأمل، ويستمع، ويحاول أن يفهم ما وراء الظواهر والأحداث.
إن كثيرًا من الأفكار العميقة لا تأتي من المكتبات فقط، وإنما تأتي من الاحتكاك بالحياة والتفكر فيما يجري فيها.
ومن الأخطاء المنتشرة أن ينشغل البعض مبكرًا بكيفية النشر والظهور وبناء الجمهور. والحقيقة أن هذه أمور تأتي في وقتها. أما السؤال الأهم فهو: هل يوجد ما يستحق أن يُقال أصلًا؟
فالكتابة ليست جمع كلمات جميلة، وإنما تقديم معنى جديد، أو رؤية نافعة، أو فهم أعمق للحياة والإنسان.
ولهذا فإن الكاتب الحقيقي لا يقاس بعدد الصفحات التي كتبها، ولا بعدد المتابعين الذين يقرأون له، وإنما يقاس بمقدار الفكرة التي يضيفها إلى عقول الناس، وبالأثر الذي تتركه كلماته بعد قراءتها.
فالكتابة في جوهرها ليست صناعة نصوص…بل صناعة وعي.