قبل أن تُطلق الأحكام… أطفئ ضجيج الانفعال
بقلم : د.مصطفى أبوسعد
1-
في أوقات الاضطراب، لا يكون أخطر ما يحدث هو الحدث نفسه، بل الطريقة التي نتعامل بها معه.
ففي اللحظات التي تتسارع فيها الأخبار، وتختلط فيها الحقائق بالشائعات، وتعلو فيها الأصوات على العقول، يصبح الهدوء فضيلة، والتأني عبادة، والتعقل مسؤولية.
2-
ليس كل ما نراه هو الحقيقة كاملة، وليس كل ما يظهر على السطح يكشف ما يجري في الأعماق. فكم من ظاهرة بدت عفوية، ثم كشف الزمن أنها كانت جزءًا من سياق أوسع، أو نتاج عوامل متشابكة، أو تحريكًا مقصودًا، أو استثمارًا لانفعالات الجماهير.
3-
ولهذا كان من الرشد أن نسأل قبل أن نحكم، وأن نفهم قبل أن نفسر، وأن نتحقق قبل أن ننقل.
إن العقل المنهجي لا يقف عند المشهد، بل يبحث عن السياق، ولا يكتفي بالنتيجة، بل يفتش عن الأسباب، ولا ينشغل بما يُراد له أن يراه فقط، بل يتساءل: من المستفيد؟ وما المآلات؟ وما الرسائل الخفية؟ وما الذي لا نراه بعد؟
4-
ومن هنا جاءت التربية الإسلامية على كبح الانفعال قبل إصدار الموقف. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، ولم يقل: فتفاعلوا، أو فانشروا، أو فاحكموا. لأن التثبت هو أول درجات الحكمة.
وفي الحديث الشريف: «التأني من الله، والعجلة من الشيطان». وليس المقصود بطء الحركة، وإنما سرعة العقل إلى الفهم قبل سرعة اللسان إلى الكلام.
5-
ومن منظور علم النفس، فإن الإنسان تحت تأثير الخوف أو الصدمة أو الغضب تضيق زاوية إدراكه، ويصبح أكثر قابلية للتأثر بالإشاعات، وأكثر ميلًا للتفسيرات السريعة، وأقل قدرة على التفكير النقدي. ولهذا كانت إدارة الانفعال مقدمة على إدارة الموقف؛ لأن العقل الهادئ يرى ما لا يراه العقل المنفعل.
6-
إن بعض الناس -بحسن نية أو بسوء تقدير- يظنون أن كثرة التعليق، وإعادة النشر، وإشعال الجدل، دليل على الوعي، بينما قد يكون ذلك وقودًا يزيد المشهد اضطرابًا، ويحقق أهدافًا لا يقصدونها.
7-
وفي المقابل، فإن الإنسان الراشد لا يسهم في إشعال النار، ولا يزيدها حطبًا، ولا يتحول إلى أداة في معركة لا يعرف أطرافها ولا غاياتها. بل يختار أن يكون جزءًا من الحل، لا من الضجيج، ومن البناء، لا من الفوضى.
8-
وقد علمتنا التجارب أن كثيرًا من الأحداث لا تُفهم في يومها، وإنما تتضح حقيقتها بعد انقشاع غبارها. ولذلك فإن الحكمة ليست أن يكون لكل إنسان رأي سريع، وإنما أن يكون له موقف مسؤول، تحكمه المعرفة، وتزنه الأخلاق، وتوجهه المصلحة، وتضبطه التقوى.
9-
الرشد ليس أن تعرف ماذا تقول، بل أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تنتظر حتى تكتمل الصورة.
ولعل من أجمل ما يمكن أن نهديه لأنفسنا في أوقات الملمات أن نحفظ هذا المبدأ:
لا تجعل انفعالك يسبق بصيرتك، ولا تجعل موقفك يُبنى على نصف حقيقة، فالعقول الكبيرة تبحث عن الفهم قبل الحكم، والقلوب الراشدة تبحث عن الإصلاح قبل الانتصار للرأي .