🇲🇦🇲🇦 المغرب إلى أين؟🇲🇦🇲🇦
🇲🇦🇲🇦 صيحة جديدة من أجل الوطن:🇲🇦🇲🇦
على إثر الأحداث المؤلمة للهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة المحتلة
بقلم: عبد الله أيت شعيب
مهندس دولة وكاتب.
مؤلف كتاب: المغرب إلى أين؟ صيحة من أجل الوطن ، إصدار : فبراير 2021.
يوم الأحد 2 غشت 2026.
بسم الله الرحمن الرحيم،
ما شهدته مدينتا المضيق والفنيدق من هجرة جماعية غير مسبوقة نحو مدينة سبتة المحتلة ليس حدثاً عادياً يمكن المرور عليه مرور الكرام، بل هو جرس إنذار وطني حقيقي، وصورة مؤلمة هزت ضمير كل مغربي غيور على وطنه، وأساءت إلى صورة المغرب الذي بذل جهوداً كبيرة في مسيرة البناء والتنمية.
وأمام هذا الحدث الأليم، فإن أول ما يفرضه الواجب هو الترحم على أرواح الضحايا الأبرياء، والتضرع إلى الله تعالى أن يتغمدهم بواسع رحمته، وأن يلهم ذويهم الصبر والسلوان.
وفي مثل هذه اللحظات الدقيقة، لا ينبغي الانسياق وراء التأويلات المتسرعة أو الاتهامات الجاهزة أو المزايدات السياسية، وإنما يقتضي الواجب الوطني البحث الجاد عن الحقيقة كاملة، بكل موضوعية وتجرد، بعيداً عن منطق التبرير أو تصفية الحسابات.
وأجدد، بهذه المناسبة، تأكيدي على أن المؤسسة الملكية كانت وستظل صمام أمان الأمة المغربية، ورمز وحدتها واستقرارها واستمرارية الدولة، وأن الالتفاف حول جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، في مثل هذه الظروف الدقيقة، يمثل واجباً وطنياً ومسؤولية جماعية، مع الإيمان بأن قوة الدولة لا تكتمل إلا بمؤسسات قوية، وعدالة ناجزة، وتنمية عادلة، ومشاركة سياسية حقيقية.
ومن هذا المنطلق، أرى أن المصلحة العليا للوطن تقتضي فتح تحقيق وطني نزيه وشفاف، تحت إشراف أعلى سلطة في البلاد، للوقوف على حقيقة ما جرى، وتحديد مختلف المسؤوليات، واستخلاص الدروس الضرورية، حتى لا تتكرر مثل هذه المشاهد التي آلمت جميع المغاربة.
كما أن الصمت الرسمي، وضعف التواصل المؤسساتي مع الرأي العام خلال هذه الأزمة، ترك فراغاً إعلامياً استغلته مصادر خارجية، فوجد المواطن نفسه يتابع أخبار وطنه عبر وسائل إعلام أجنبية، وهو أمر يستوجب مراجعة حقيقية لسياسة التواصل العمومي في الأزمات.
إن ما وقع لا يمكن اختزاله في مجرد محاولة للهجرة غير النظامية، بل هو مؤشر عميق على وجود اختلالات تستحق الوقوف عندها بكل شجاعة ومسؤولية. فرغم ما تحقق من إنجازات مهمة في مجالات البنية التحتية والاستثمارات الكبرى، فإن استمرار معاناة فئات واسعة من الشباب مع البطالة، وضعف الأمل، واختلالات التعليم والثقافة، وتراجع الثقة في العمل السياسي، كلها عوامل تستوجب المعالجة العاجلة.
إن التنمية ليست طرقاً وموانئ ومشاريع فقط، وإنما هي أيضاً بناء الإنسان، وصيانة كرامته، وتوفير فرص العيش الكريم، وتعزيز ثقته في وطنه ومؤسساته، حتى يشعر بأن مستقبله يوجد داخل بلده وليس خارجه.
كما أن الثقة بين المواطن والدولة تشكل أساس كل مشروع تنموي ناجح، وهذه الثقة لا يمكن أن تنمو إلا في ظل احترام الإرادة الشعبية، وتقوية المؤسسات، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي الجاد، ومحاربة كل أشكال الفساد والاحتكار والريع، وتكريس مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
لقد سبق أن نبهت، في كتابي : المغرب إلى أين؟ صيحة من أجل الوطن، إلى أن تراجع الثقة، واستمرار الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية، واتساع الفوارق، كلها عوامل قد تنتج أشكالاً مختلفة من الاحتقان، إذا لم تتم معالجتها في إطار إصلاحات عميقة وشجاعة.
وبهذه المناسبة، اسمحوا لي أن أذكركم بمقتطف من كتابي : المغرب إلى أين؟ صيحة من أجل الوطن ، الصادر في فبراير 2021، والذي تناول هذه القضية منذ خمس سنوات، وجاء فيه حرفيًا:
وفي تقديري، فإن أبشع ظلم تعرض له شعبنا يكمن في…:
1. إهمالنا لتعليمه وتربيته على مدى عقود…
2. واغتصابنا المتكرر لإرادته خلال مختلف الإستحقاقات بسبب التحكم الجائر،
حتى أصبحنا نرى ما نراه من ترد للأخلاق والقيم ولروح المواطنة الحقة، وفقدان لمصداقية المؤسسات وللعمليات الإنتخابية…
وبالتالي علينا أن نأخذ بيده… ندبر مشاكله بكل هدوء… ولنبدأ بالتعليم، دون أن ننسى القطاعات الأخرى كالصحة، والعدل، والبحث العلمي وغيرها، موازاة مع تعزيز المسار الديمقراطي…:
فالتربية والتعليم وسمو الأخلاق هو المقياس الصادق الذي تقاس به خطواتُ الشعوب ونهضات الأمم…
وهو مفتاح التقدم والازدهار…
فارتقاء الأمم يرتبط بسمو أخلاق أفرادها وبإخلاصهم في عملهم، وانتشار العدل والتسامح بينهم، وبعدهم عن كل ما من شأنه ان يؤدي إلى الانحطاط؛ وما انحطت أمة من الأمم، ولا أفل نجمها، ولا زال سلطانها إلا بزوال تلك الأخلاق الفاضلة من نفوس أبنائها وانغماسهم في الشر والفساد، مصداقا لقوله تعالى…:
(وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)” .الآية 16 من سورة الإسراء
وصدق أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال :
إِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ ……….. فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا
وللتعبير، تعبيرا جميلا، عن أهمة العلم، فقد حورت أبياتا شعرية للشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي حول العلم “بفتح العين وفتح اللام” وقصدت بها العلم “بكسر العين وسكون اللام”، وقلت:
عـش هكــذا في علـو أيـهـا العـلـــــــم *** *فإنـنــا بـك بـعـد اللـــه نعتـصـم.
إن احـتـقــرت، فـإن الشـعب مـحتـقـــر *** *أو احترمت، فإن الشعب محترم!
الشـعـب أنت، وأنت الشعـب منتصبــا! *** *وأنت أنت جلال الشعب والعظـم!
فإن تعش سالما عاش الشعب سعادته *** *وإن مـت مــاتت الآمال والهمم.
فلا استقرار إذن ولا إصلاح ولا تقدم دون إصلاح التعليم، الذي تسمو به الأخلاق أولا وتنمو به البلاد ثانيا… فلنبدأ به… والكل معني: الشعب… وكل المؤسسات…
وللتذكير، فقد سبق لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله في أول خطاب له أمام البرلمان في أكتوبر 1999 أن نبه لذلك وأعلن عن جعل العشرية الأولى من حكمه للتربية والتعليم ولبناء العنصر البشري… ولكن لا حياة لمن تنادي…!!”.
انتهى مقتطف الكتاب.
إن ما نحتاج إليه اليوم ليس تبادل الاتهامات، وإنما وقفة وطنية صادقة، يشارك فيها الجميع، بروح المسؤولية والغيرة على الوطن، من أجل تقييم موضوعي لما تحقق، والاعتراف بما بقي من اختلالات، ووضع إصلاحات حقيقية تعيد الأمل للشباب، وتحافظ على استقرار الوطن، وتحصن منجزاته.
الخاتمة :
إن ما وقع ليس مجرد حادث عابر، ولا أزمة ظرفية ستطويها الأيام، بل هو ناقوس خطر ورسالة إنذار قوية تستوجب الوقوف عندها بكل مسؤولية وصدق وشجاعة. فالأوطان العظيمة لا تُقاس بقدرتها على الاحتفال بمنجزاتها فحسب، وإنما تُقاس أيضاً بقدرتها على الإصغاء إلى رسائل الإنذار، والاعتراف بالاختلالات، وتصحيح المسار قبل أن تتفاقم الأزمات.
إن المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يمتلك من المؤهلات والإمكانات والرصيد الحضاري ما يؤهله ليكون في مصاف الدول الصاعدة، غير أن المحافظة على هذه المكتسبات تقتضي تعبئة وطنية شاملة، تُعيد الاعتبار للإنسان المغربي، وتجعل من التربية والتعليم، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والحكامة الجيدة، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، أولويات لا تقبل التأجيل.
إن التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تسقط فجأة، وإنما تبدأ رحلة التراجع عندما تتجاهل مؤشرات الخلل، وتستهين بصرخات أبنائها، وتؤجل الإصلاحات الضرورية حتى تصبح كلفتها باهظة.
وما زال أمامنا الوقت لتدارك الأمر، لكن الوقت ليس مفتوحاً إلى ما لا نهاية، وتأخير الإصلاح قد يجعل ثمنه أكبر بكثير من ثمن المبادرة إليه اليوم.
ومن موقعي كمواطن مغربي غيور على وطنه، وكاتب سبق أن دق ناقوس الخطر في كتابي : المغرب إلى أين؟ صيحة من أجل الوطن، فإنني أوجه هذه الصيحة الجديدة المخلصة إلى كل من يتحمل مسؤولية في هذا الوطن: *تداركوا الأمر قبل فوات الأوان. استمعوا إلى نبض المجتمع، وافتحوا آفاق الأمل أمام شباب المغرب، وأعيدوا بناء الثقة، وصونوا كرامة المواطن، وعززوا مسار الإصلاح الحقيقي، لأن قوة الأوطان لا تُبنى بالحجر وحده، وإنما تُبنى بالإنسان، وبالعدل، وبالعلم، وبالثقة.*
وموازاة مع ضرورة الإنصات لنبض المجتمع، وقبل أن أختم هذه الصيحة، أوجه نداءً صادقًا إضافيا إلى كل من يتحمل مسؤولية في هذا الوطن العزيز:
استمعوا إلى أصوات العقل والحكمة، وأنصتوا إلى صرخات الخبراء والكفاءات الوطنية المخلصة، مهما اختلفت اجتهاداتهم أو مواقعهم، فحب الوطن لا يحتكره أحد، والحكمة ضالة كل مسؤول مخلص، أينما وجدها أخذ بها.
ولعل من الواجب، في هذه المرحلة الدقيقة، أن يُؤخذ بعين الاعتبار ما يصدر عن أكاديمية المملكة المغربية، بما تضمه من علماء ومفكرين وخبراء مغاربة ودوليين، وما تقدمه من رؤى وتوصيات تدخل في صميم رسالتها واختصاصها، إلى جانب الإصغاء إلى مختلف الكفاءات الوطنية الصادقة والغيورة على هذا الوطن.
فالأمم لا تنهض بإقصاء عقولها، وإنما تنهض بحسن توظيفها، والاستفادة من علمها وخبرتها.
وأقولها بكل صدق وإخلاص، وبعيدًا عن كل الحسابات السياسية الضيقة، وعن كل منطق للمصالح أو الاصطفافات:
*لا تُفرغوا خطابات جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله وأيده، من مضامينها السامية، ولا تُفقدوها مصداقيتها في الواقع وبالتالي لدى المواطن.* فهذه الخطب لم تكن يومًا خطب مناسبات، ولا كلمات للاستهلاك الإعلامي، وإنما كانت، وما تزال، مشروعًا متكاملًا لبناء مغرب قوي، متماسك، وعادل، يضع الإنسان في صلب التنمية، ويجعل من خدمة المواطن الغاية الأولى لكل السياسات العمومية.
إن خير وفاء لجلالة الملك ليس في كثرة الإشادة بخطبه، وإنما في الصدق في تنفيذ توجيهاته، وتحويلها إلى واقع يلمسه المواطن في تعليمه، وصحته، وعدالته، وإدارته، وشغله، وكرامته. أما أن تبقى تلك التوجيهات حبيسة الخطب والوثائق، فذلك يفرغها من أثرها، ويضعف الثقة في جدوى الإصلاح.
إن المغرب أكبر من الجميع، ومستقبله أسمى من كل الحسابات، وشبابه أغلى من كل المصالح، وأمانة الوطن أعظم من كل المناصب.
وما تزال أمامنا فرصة لتدارك الأمر… ولكنها لن تبقى مفتوحة إلى الأبد. فبادروا إلى الإصلاح قبل أن تفرض الأحداث إصلاحًا أكثر كلفة، واستدركوا الاختلالات قبل أن تتحول إلى أزمات، واستثمروا في الإنسان قبل أن يفقد ثقته في وطنه.
اتقوا الله في وطنكم… واتقوا الله في ملككم الذي ما فتئ يوجه وينصح ويدعو إلى الإصلاح… واتقوا الله في شعبكم الذي يستحق أن يعيش بعزة وكرامة… واتقوا الله في الأمانة التي حملكم الله إياها.
اللهم احفظ بلدنا المغرب، وأدم عليه نعمة الأمن والاستقرار، ووحد صفوف أبنائه، وأعن جميع مسؤوليه على أداء الأمانة، وأرهم الحق حقاً وارزقهم اتباعه، وأرهم الباطل باطلاً وارزقهم اجتنابه، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، إنه سميع مجيب.
والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.