المربع الاستراتيجي ” مصر. تركيا. المملكة العربية السعودية. باكستان” : خيار نجاة في عصر “الخرائط الصامتة” وفخ ثيدسيدوس:
بقلم: د. عبد اللطيف مشرف
أستاذ مساعد التاريخ السياسي – جامعة ماردين أرتوكلو.
يمر النظام الدولي اليوم بما يمكن تسميته لحظة “إعادة تخصيب” لموازين القوى، حيث تتجاوز الأحداث المشتعلة في مضيق هرمز وباب المندب سياق الاشتباكات العسكرية المباشرة، لتصبح تطبيقاً ميدانياً فجاً لما يعرف بـ “فخ ثيدسيدوس” (Thucydides Trap) بين الأقطاب الكبرى – وهو المفهوم الكلاسيكي في العلوم السياسية الذي يصف حتمية التوتر وارتفاع احتمالات الحرب عندما تهدد قوة صاعدة (كالصين حالياً) بإزاحة قوة مهيمنة (كالولايات المتحدة). وفي قلب هذا الاستقطاب، يطل خطر تحويل “الجغرافيا الإسلامية” إلى مجرد “مختبر جراحي” لتصفية حسابات القوى العظمى، ما لم تبادر القوى الإقليمية المركزية لانتزاع سيادتها المعرفية والميدانية.
– الجغرافيا لا ترحم المترددين:
تقوم فرضيتي الاستراتيجية على أن النجاة من “فخ التبعية اللوجستية” تفرض تحالفاً براجماتياً يتجاوز الخلافات الأيديولوجية لصالح “وحدة المصير”. هذا التحالف يرتكز على أربعة أعمدة صلبة:
تركيا: الرئة الجيوسياسية النابضة، والعمق الصناعي العسكري القادر على الموازنة بين الشرق والغرب.
مصر: قلب الجغرافيا السياسية، وعمق الثقل الحضاري والجغرافي ، وحارس أهم شريان تجاري عالمي (قناة السويس).
السعودية: مركز الثقل الطاقوي والمالي، وقائد التوازنات في قلب الجزيرة العربية والخليج، وصاحبة المكانة الدينية المؤثرة على جموع المسلمين.
باكستان: العمق النووي الاستراتيجي، والظهير العسكري الذي يمنح الحلف “قوة الردع” اللازمة، والجار النووي لإيران ورئة حصاره.
– ضرورة التشغيل: اجتماع الوزراء اليوم والاستجابة لحرائق الإقليم:
تأتي أهمية اجتماع وزراء دول هذا المربع الاستراتيجي اليوم كمرحلة انتقالية حاسمة من فضاء “التنظير الجيوسياسي” إلى واقع “التشغيل الميداني”. لا يقتصر دور هذا الاجتماع على التنسيق البيني فحسب، بل يمثل رسالة جماعية بأن المنطقة لم تعد ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. وفي خضم التصعيد الراهن للحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، يمثل هذا التكتل “كابحاً جماح” لامتداد حرائق الصراع الجيوطائفي والجيوسياسي. إن قدرة هذا المربع على إخماد تأثير هذه الحرب تكمن في خلق “مركز ثقل” ثالث وازن، يمنع الاستقطاب الحاد، ويؤمن ممرات الطاقة والتجارة من عواصف المواجهة، ويقدم خارطة طريق بديلة لاستقرار المنطقة تقوم على المصالح المشتركة لا على حروب الوكالة الصفرية.
– من “الممر” إلى “المقر”: السيادة في عصر الذكاء الجيوسياسي:
الأهداف الاستراتيجية لهذا “المربع” لا تقف عند حدود الدفاع، بل تمتد لصناعة مستقبل “السيادة المستقلة”:
فك الارتباط اللوجستي: التوقف عن لعب دور “الممرات الصامتة” لبضائع الكبار، والتحول إلى “مقر” للقيمة المضافة ومراكز التصنيع.
تحييد “استراتيجية قص الرأس”: بناء بنية أمنية جماعية تجعل من استهداف أي دولة في هذا المربع تهديداً شاملاً للمصالح الدولية، مما يرفع كلفة المغامرات العسكرية الخارجية.
السيادة التقنية: إن حماية ممراتنا (سواء في IMEC أو الحزام والطريق) تتطلب استقلالاً رقمياً وسيبرانياً، حتى لا تظل مفاتيح التشغيل مرهونة بالقرار الخارجي.
خلاصة القول: ساعة التاريخ لا تنتظر:
إن قيام هذا “الحلف الرباعي” ليس ترفاً فكرياً أو خياراً عاطفياً، بل هو “خيار نجاة” وجودي أمام “فوضى خلاقة” لا تفرق بين عاصمة وأخرى. إن تكامل “الردع الباكستاني” مع “الجغرافيا المصرية”، و”الريادة التركية” مع “الثقل السعودي”، هو الكفيل وحده بإنهاء عصر التبعية وبدء عصر “السيادة المستقرة”.