في رحاب الأسماء الحسنى ، الله.. العظيم
د.عبد الكريم بكار
كثيراً ما تتوارد على أذهاننا تساؤلات صامتة في زحمة هذه الحياة المعاصرة المليئة بالمشتتات:
لماذا تقف قلوبنا أحياناً مبهورةً أمام إنجازٍ بشري تقني أو صرحٍ معماري هائل، بينما قد نمرُّ مرور الكرام، بقلوبٍ باردة، على آياتٍ تتحدث عن طيِّ السماوات والأرض؟
كيف نغرس “هيبة الخالق” في نفوس أبنائنا، في عصرٍ تتسابق فيه الشاشات لتضخيم “عظمة” المخلوق وإنجازاته المادية؟
ولماذا تتسرب الهشاشة النفسية والقلق على المستقبل إلى أرواحنا، رغم إدراكنا العقلي بأننا نأوي إلى ركنٍ شديد؟
هذه الأسئلة المشروعة، التي تدور في فلك أروقة التربية ومحاريب البناء الذاتي، لا تجد إجابتها الشافية في نظريات العصر، بل تجدها حين نعيد ربط “بوصلة الوجدان” باسمٍ من أسماء الله الحسنى؛ اسمٌ يعيد الأشياء إلى أحجامها الحقيقية، وينقلنا من ضيق الإدراك البشري إلى سعة التسليم الخالص. إننا اليوم في رحاب اسم الله (العظيم).
أولاً: أبعاد العظمة المطلقة
حين يصف الله جل جلاله نفسه بأنه “العلي العظيم”، فهو يقرر حقيقةً تتجاوز قدرة العقل البشري على الإحاطة. إنَّ كل ما تراه أعيننا من مجرات مذهلة، ومحيطات شاسعة، وجبال راسيات، ما هي إلا ذرة في قبضة الخالق سبحانه يوم القيامة، والسماوات على اتساعها المرعب تُطوى بيمينه طيَّ السجل.
ولنا أن نتأمل: إذا كان “الكرسي” وحده يسع السماوات والأرض، فكيف بعظمة رب العرش؟ إن العبقرية الروحية للمؤمن تتجلى في إقراره بعجزه عن الإحاطة بثناء ربه، مكتفياً بما أعلنه المعلم الأول ﷺ حين قال: “لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ”.
ثانياً: المسارات التربوية لمعرفة “العظيم”
إنَّ المعرفة بأسماء الله الحسنى ليست ترفاً فكرياً، بل هي (طاقة دافعة) تصوغ سلوك الإنسان. ويتجلى أثر اسم الله “العظيم” في حياتنا عبر مسارات أربعة:
1. إعادة معايرة “المعصية” (اليقظة الروحية):
في زحمة الحياة، قد نستصغر بعض الأخطاء أو نتساهل في بعض التجاوزات بحجة أنها “صغائر”. لكن الوعي باسم الله العظيم يقلب هذه المعادلة؛ وكما قال الإمام الأوزاعي بعبارة بالغة الرشد: “لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت”. إن استحضار عظمة الخالق يمنع المؤمن من الاستخفاف بنظر الله إليه، ويجعله أشد حياءً من أن يجعل الله أهون الناظرين إليه.
2. التحرر من “تضخم الأنا” (صناعة التواضع):
أكبر آفة تصيب العاملين والصالحين هي آفة “العجب” والاعتداد بالعمل. لكن من امتلأ قلبه بعظمة الله، تلاشت في عينيه إنجازاته مهما كبرت. يدرك المؤمن العاقل أنه لو قضى عمره من المهد إلى اللحد ساجداً، لكان ذلك يسيراً في حق “العظيم”. هذا الفهم يورث النفس هدوءاً، ويحميها من الغرور، ويجعل العبد دائم الافتقار إلى فضل ربه لا إلى رصيد عمله.
3. تفكيك الأزمات وإدارة “الكرب”:
حين تشتد الخطوب وتعصف الأزمات، كان النبي ﷺ يعلمنا أن نلوذ بكهف العظمة الإلهية، فيردد عند الكرب: “لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ…”. إن تفويض الأمر للعظيم يجعل كل مشكلة دنيوية تبدو ضئيلة وقابلة للحل. من عرف أن مقاليد السماوات والأرض بيد العظيم، لم يهتز قلبه أمام جبروت بشر أو قسوة ظروف؛ فالعظمة هنا هي (مظلة الأمان النفسي).
4. شجاعة “الرجاء” وسقف الطموح:
المؤمن الذي يعبد رباً “عظيماً” لا يطلب منه القليل، ولا يتردد في دعائه. لقد أدبنا النبي ﷺ بأدب الدعاء فقال: “وَلْيُعَظِّمِ الرغْبَةَ، فَإِن اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ”. لا تقل: طموحي مستحيل، أو ذنوبي أكبر من أن تُغفر. إن عظمة الله في كرمه ورحمته تتسع لكل رجاء صادق؛ فهو الذي أقسم بعزته وعظمته ليخرجن من النار من قال “لا إله إلا الله”.
ومضة ختامية:
إنَّ تعظيم الله ليس مجرد كلمات نرددها في ركوعنا —رغم جلالة ذلك— بل هو (حالة وجدانية) تتجلى في تعظيم شعائره وحرماته، وفي صدق الالتجاء إليه. “ومن عظُم وقار الله في قلبه أن يعصيه، وقَّره الله في قلوب الخلق أن يذلوه”.