في رحاب اسماء الله الحسنى.. إسم الله الباريء
بقلم د عبد الكريم بكار
تأمل وجوه الناس من حولك…
لا وجه يشبه الآخر تمامًا، ولا نفس تطابق نفسًا، ولا قدرات تتكرر بالصورة ذاتها.
هذا التنوع المدهش ليس مصادفة، وليس نتيجة فوضى عمياء… بل هو أثر من آثار اسم عظيم من أسماء الله: البارئ.
قال تعالى:
﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: 24]
حين نقرأ هذه الآية، ندرك أن الخلق ليس مرحلة واحدة، بل مراتب دقيقة:
فـ الخالق: هو الذي قدّر الأشياء قبل وجودها.
والبارئ: هو الذي أوجدها إلى الوجود متميزةً متفاضلةً بحسب حكمته.
والمصور: هو الذي أعطى كل مخلوق صورته وهيئته الخاصة.
وهنا تتجلى دلالة “البارئ”:
ليس مجرد إيجاد، بل إيجادٌ مع تفصيل، وتمييز، وإخراج لكل مخلوق على قدرٍ خاص به.
لماذا لست نسخة من غيرك؟
لأن الذي أوجدك هو البارئ.
اختلاف الناس في طباعهم، وألسنتهم، وأرزاقهم، وقدراتهم، ليس عبثًا. بل هو تفاوتٌ مقصود، به تنتظم الحياة، وبه تتكامل الأدوار، وبه تظهر حكمة الله في خلقه.
قال تعالى:
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾
فإذا علمت أن تميزك داخل في اختيار الله، زال عنك ضيق المقارنة، وسكنت نفسك عن صراع التقليد.
البرء… ومعنى السلامة
ومن معاني البرء في اللغة: السلامة من العيب والداء.
فالأصل في خلق الإنسان أنه خُلق على وجه الإحكام والإتقان:
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾
لكن ما نراه من مرض أو نقص أو ابتلاء لا يناقض ذلك، بل هو داخل في سنن الله وحكمته، يرفع به درجات، ويكفّر به خطايا، ويظهر به صدق العبودية.
فمعرفة اسم “البارئ” تورث العبد يقينًا بأن ما جرى عليه إنما جرى بعلمٍ وحكمة، لا بعشوائية ولا ظلم.
كيف نتعبد لله باسم “البارئ”؟
1. بتحقيق التوحيد:
أن نوقن أن الله وحده هو الموجِد المميِّز، فلا ننسب الخلق الحقيقي لغيره.
2. بالرضا بالحكمة:
أن نرضى بتفاوت الأقدار، فلا نحسد ولا نعترض، بل نسأل الله من فضله.
3. بتزكية النفس:
كما أن الله أوجدنا على أصل الفطرة، نسعى نحن لإصلاح قلوبنا مما يعيبها من كِبر أو ظلم أو غفلة.
اسم الله البارئ يعلّمنا أن وجودنا لم يكن عابرًا، وأن اختلافنا لم يكن عبثًا، وأن أقدارنا لم تكن بلا معنى.
هو إيجادٌ بعلم،
وتفصيلٌ بحكمة،
وتمييزٌ بعدل.
فإذا استقر هذا المعنى في القلب، هدأ القلق، وخفَّت وطأة المقارنة، واطمأن العبد إلى أن الذي أبرزه إلى الوجود هو رب حكيم، لا يخلق شيئًا سدى.