ابتسامةُ “الشكارةِ” العريضةِ أمام المجلس الحكومي
بقلم د.نبيل شيخي
—————-
صادق المجلسُ الحكومي الموقر البارحة، في خطوة ديمقراطية تَسُرُّ الناظرين، على مشروعي مرسومين يتعلقان بمساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية التي تقوم بها الأحزاب السياسية المشارِكةُ في الانتخابات العامة، قدمهُما السيد وزير الداخلية.
كم هو جميلٌ هذا المرسوم!
كم هو أنيقٌ ومكتوبٌ بلغة رصينة!
الدولةُ، جزاها الله خيراً، تفتح صندوقَها وتمنح الأحزاب بعض الدريهِمات الحلال، كي تطبع بها صورَ المرشحين، وتكتري بها كراسيَ بلاستيكية للصراخ في الساحات العمومية. هذا هو العرسُ الديمقراطي كما تعلًمناه في الكتب. هذه هي الشفافية التي تجعلنا مطمئنين.
لكن، عفواً..
وماذا عن إصابتِنا بغثيانِِ مزمنِِ في كل محطة انتخابية من فضائح استعمال المال “الحرام” لاستمالة الناخبين والسطو على إرادتهم؟
لقد تعبنا حتى النخاع من مشاهدة هذا الفيلم الرديء في كل محطة واستحقاق.
والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح ساذج: هل سيستمر هذا العبث في انتخابات 2026؟
هل ستظل سوق النخاسة الانتخابية مفتوحةََ على مصراعيها، نبيع فيها أصواتَنا لمن يدفع أكثر، بينما نُلوٍحُ بالمراسيم الحكومية الأنيقة؟
لعل المال الحرام يبتسم ويضحك الآن.
يقرأ خبر مصادقة المجلس الحكومي على هذين المرسومين ويُقهقِه في الزوايا المظلمة.
إنه يشعُرُ أيضا ببعض الإهانة، فكيف للدولة أن تتدخل في اختصاصاته؟ كيف لها أن تنافسه في السوق الانتخابي؟
يا سادة،
نحن نعيش فصاماً سياسياً حقيقيا.
نصادق على مراسيم لتمويل الحملات بمال “حلال” زلال، لا يكاد يكفي، ولا يغني ولا يسمن ،
بينما في الكواليس، في جنح الظلام، وفي سيارات الدفع الرباعي ذات الزجاج الداكن، تتحرك ميزانيات تفوح منها روائح مصادر مجهولة-معلومة، لا أثر لها في أي كشوفات بنكية رسمية.
الدولةُ تدعم الأحزاب باليمين، والمالُ الحرامُ يشتري الأصواتَ، والذمم، والأحزابَ نفسَها، بالشمال.
المال الحرام في انتخاباتنا ليس ظاهرةََ فحسب، بل هو “مؤسسةٌ” حقيقية.
هو فاعلٌ سياسي عتيد وعنيد. والدعمُ الحكومي لدى البعض مجرد “بقشيش” يُعطى للأحزاب كي تشتري بها مساحيق التجميل قبل أن تخرج إلى الشارع،
أما العملية الجراحية الحقيقية، فيتكفل بها أصحاب “الشكارة” الذين يدفعون نقداً وَعَداًّ، ولا يحتاجون إلى جريدة رسمية ولا إلى مجلس حكومي ليصادق على ميزانياتهم المفتوحة.
جميلٌ أن تدعم الدولة الأحزاب. جميلٌ جداً.
لكن الأجملَ، والأكثرَ إحراجاً، هو أن نعترف أن هذا الدعمَ الرسمي يقف كالطفل الصغير الخجول أمام غول المال الحرام العظيم.
ويبقى السؤال الكبير: متى سنُصدِرُ مرسومَ العزمِ والإرادةِ الذي يَرْدَعُ “الشكارة” ويُُحَرٍمُ عليها، بصرامةِِ حقيقيةِِ، التصويتَ بدلاً عنا؟
الجواب: عندما يتوقفُ المالُ الحرامُ عن الضحك. وهو بالمناسبة، إلى أن تنعقِدَ هذه الإرادةُ، لا ينوي التوقُّفَ عن الضحك أبداً في هذا البلد.