🇲🇦🇲🇦 *نداء الضمير الوطني :

اعداد المهندس عبدالله ايت شعيب.
🇲🇦 *الحلقة الثالثة :
المحور الأول : همساتٌ أخويةٌ في آذانِ إخوانِنا في الصحراءِ…:*🇲🇦
*النداء الثاني : نداء الذاكرة والإنصاف :
ورزازات في : الأربعاء 14 يناير 2026.
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخوتي وأخواتي،
أهلنا الكرام في الصحراء المغربية،
وكل من يتابع هذا النداء من داخل الوطن وخارجه،
نلتقي اليوم في الحلقة الثالثة من نداء الضمير الوطني، هذا النداء الذي اخترنا له منذ بدايته أن يكون صوتًا هادئًا في زمن الضجيج، وكلمة صدق في زمن الاصطفافات، ووقفة ضمير قبل أن يكون موقفًا سياسيًا.
في الحلقة الأولى، توقفنا عند السؤال المحوري والجوهري المؤلم: *من المسؤول عن استمرار النزعات الانفصالية بعد خمسين سنة من استرجاع الأقاليم الجنوبية؟*
سؤال لم يُطرح للتشكيك في مغربية الصحراء، ولا في وطنية أهلها، بل لفتح نقاش صريح ومسؤول حول مكامن الخلل، بعيدًا عن لغة التبرير من جهة، وبعيدًا عن خطاب القطيعة من جهة أخرى.
وفي الحلقة الثانية، وجّهنا أولى الهمسات الأخوية تحت عنوان نداء اليقظة والوعي، داعين إلى التمييز بين النقد المشروع والتوظيف التضليلي، وبين الألم الإنساني الحقيقي وتحويله إلى أداة في صراعات لا تخدم الإنسان الصحراوي ولا مستقبله.
أما اليوم، في هذه الحلقة الثالثة، ومن موقع الأخ قبل أن يكون محللًا، والمواطن قبل أن يكون فاعلًا سياسيًا، ننتقل إلى النداء الثاني لاهالينا في الصحراء: *نداء الذاكرة والإنصاف.*
نداء لا يُراد به تمجيد طرف ولا تبرئة آخر، بل استحضار الحقيقة كاملة، والنظر إلى المسار بميزان العدل، اعترافًا بالمنجز، ونقدًا للاختلال، ووفاءً لتضحيات دولة وشعب، وفي الوقت نفسه إنصاتًا صادقًا لما يشعر به بعض أبناء الصحراء من تساؤلات وانتظارات.
إن هذه الحلقات لا تُقدَّم بروح الخصومة، ولا بمنطق الغلبة، ولا بدافع الاصطفاف السياسي أو الإيديولوجي، بل تُقدَّم تقديرًا خاصًا لأهلنا في الصحراء، واحترامًا لذكائهم ووعيهم، وثقةً في قدرتهم على التمييز بين من يخاطبهم كأدوات ومن يخاطبهم كشركاء في الوطن والمصير.
ولهذا، فإنني أدعوكم إلى متابعة هذه السلسلة بعقل منفتح، وقلب هادئ، وذاكرة منصفة، لأن ما يُقال هنا لا يُراد به تأجيج الجراح، بل تضميدها، ولا تعميق الشرخ، بل ردمه، ولا صناعة وهم، بل استعادة الحقيقة كما هي، بكل تعقيدها ومسؤولياتها المشتركة.
ومن هذا المنطلق، أدعو أبناء الصحراء إلى استحضار حقيقة لا تقبل المزايدة: *إعمالًا لمبدأ الإنصاف، ووفاءً للحقيقة، فإن الدولة المغربية بقيادة ملكيها الحسن الثاني رحمه الله ومحمد السادس حفظه الله، ومعهما الشعب المغربي، لم يدّخروا جهدًا منذ سنة 1975 إلى اليوم في العناية بالأقاليم الجنوبية وبأبنائها، عبر سياسة تمييز إيجابي واضحة، واستثمارات ضخمة، وتعامل خاص نابع من قناعة وطنية راسخة بعدالة القضية، ومن إيمان بأن الإنسان الصحراوي هو جوهر الحل لا هامشه.*
غير أن الاعتراف بالمنجز، وهو واجب أخلاقي قبل أن يكون موقفًا سياسيًا، لا يعفينا من طرح السؤال الجوهري بجرأة ومسؤولية:
*هل نجح هذا المجهود الاستثنائي في تحويل التنمية إلى شعور بالكرامة وإلى إنصاف وإرضاء المواطن الصحراوي؟*
*وهل تُرجِم الاستثمار إلى إحساس حقيقي بالشراكة؟*
*وهل أصبحت الدولة، في الوجدان اليومي لكل أبناء الصحراء، وطنًا محسوسًا لا مجرد إدارة ؟*
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني إنكار المكتسبات، ولا التقليل من حجم التضحيات، بل يضع النقاش في إطاره العادل والمتوازن، بعيدًا عن منطق الجحود من جهة، وبعيدًا عن منطق القطيعة أو التوظيف العدمي من جهة أخرى.
كذلك، لا بد من تنبيه صريح ومسؤول إلى أن استمرار بعض مظاهر الخصاص أو التفاوت الاجتماعي، مهما كانت حدّته، لا ينبغي أن يُقرأ خارج سياقه الوطني العام، ولا أن يتحوّل إلى منطق مزايدة على الدولة أو تشكيك في نواياها. فالكمال لله وحده، وأي سياسة عمومية، مهما بلغ حجم الموارد المرصودة لها، تظل عرضة للاختلال، والتفاوت، وسوء التدبير أحيانًا.
كما أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن جهات أخرى من المملكة، في الشمال والوسط والجنوب الشرقي، تعاني من خصاص أشد، وتفاوتات أعمق، دون أن تحظى بما حظيت به الأقاليم الجنوبية من تمييز إيجابي، أو استثمارات استثنائية، أو عناية خاصة فرضتها طبيعة القضية وحساسيتها الوطنية.
ومن ثَمّ، فإن استحضار مظاهر الخصاص – وهي موجودة ولا يجوز إنكارها – ينبغي أن يكون مدخلًا للمطالبة بالإصلاح والتقويم، لا ذريعة للقطيعة أو للتشكيك في عدالة الدولة، ولا مبررًا للانزلاق نحو خطابات تُغذّي الإحباط وتُستثمر ضد الوطن. فالعدل لا يُبنى بالمقارنة الانتقائية، والإنصاف لا يتحقق بالمزايدة، بل بإدراك الصورة الكاملة، وتحميل المسؤوليات حيث يجب أن تُحمَّل.
وخير ما يمكن الاحتجاج به، دحضًا لكل خطاب يروّج لأسطورة تهميش الدولة المغربية للأقاليم الجنوبية أو لاستغلالها، هو ما ورد بأسلوب صريح وواضح في *الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثين للمسيرة الخضراء سنة 2014*. خطابٌ لم يكتفِ بالشعارات، بل قدّم معطيات رقمية دقيقة، وحججًا دامغة، وتشخيصًا مسؤولًا، وضع حدًا نهائيًا لكل مزايدة أو تزييف للوقائع، حيث قال *جلالة الملك محمد السادس حفظه الله*:
*”وإضافة إلى التضحية بأرواحهم، فقد قدم جميع المغاربة أشكالا أخرى من التضحيات، المادية والمعنوية، من أجل تنمية الأقاليم الجنوبية، وتقاسموا خيراتهم مع إخوانهم في الجنوب.*
*فالكل يعرف الوضع الذي كانت عليه الصحراء، قبل 1975.ولمن لا يعرف الحقيقة، أو يريد تجاهلها، أقدم بعض المعطيات :*
فمنذ استرجاعها، *مقابل كل درهم من مداخيل المنطقة، يستثمر المغرب في صحرائه 7 دراهم*، في إطار التضامن بين الجهات وبين أبناء الوطن الواحد.
كما أن مؤشرات التنمية البشرية بالمنطقة، سنة 1975، كانت أقل ب6 بالمائة من جهات شمال المغرب، وب51 بالمائة مقارنة بإسبانيا.
أما اليوم، فهذه *المؤشرات بالأقاليم الجنوبية، تفوق بكثير المعدل الوطني لباقي جهات المملكة.*
لهذا أقول، وبكل مسؤولية، *كفى من الترويج المغلوط لاستغلال المغرب لثروات المنطقة.*
فمن المعروف أن *ما تنتجه الصحراء، لا يكفي حتى لسد الحاجيات الأساسية لسكانها.*
وأقولها بكل صراحة : *المغاربة تحملوا تكاليف تنمية الأقاليم الجنوبية. لقد أعطوا من جيوبهم، ومن رزق أولادهم، ليعيش إخوانهم في الجنوب، في ظل الكرامة الإنسانية.*
كما أن الكل يعرف أن المغرب حريص على استفادة سكان المنطقة من ثرواتها، في ظل تكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية.”. *انتهى المنطوق الملكي*.
وبالتالي، فالوطن الذي فتح ذراعيه بلا تردّد، وصبر طويلًا دون منٍّ أو ضجيج، واستثمر بسخاء إيمانًا بأبنائه لا طلبًا للثناء، ينتظر اليوم من أبنائه أن يكونوا جسور وصل لا أدوات قطيعة، وبناة وعي لا صُنّاع شرخ.
*خاتمة الحلقة الثالثة:*
إن نداء الذاكرة والإنصاف لا يُراد به إغلاق باب السؤال، ولا إسكات صوت الألم، بل إعادة توجيهه نحو بوصلة العدل والإنصاف.
إنصاف الدولة المغربية، كما نطالب بإنصاف المواطن الصحراوي، لأن العدل لا يكتمل إن اقتصر على طرف واحد.
لقد آن الأوان لأن يُقال بوضوح وصدق:
*كما أن لأهلنا في الصحراء حقّ السؤال والانتظار والمطالبة، فإن للدولة المغربية حقّ الاعتراف، وحقّ الإنصاف، وحقّ التقدير لما قدّمته منذ سنة 1975 من تضحيات جسيمة، وسياسات تمييز إيجابي، واستثمارات استثنائية، وصبر طويل، دون منٍّ ولا مزايدة.*
إنصاف الدولة لا يعني تبرئتها من الاختلال، ولا تحصين السياسات العمومية من النقد، بل يعني وضع الأمور في سياقها الحقيقي، والتمييز بين التقصير القابل للإصلاح، وبين الخطاب الذي يتعمّد محو المنجز، وتشويه النوايا، وتحويل الخلل إلى ذريعة للقطيعة.
فالذاكرة المنصفة تقتضي أن نتذكّر أن هذه الدولة لم تكن خصمًا لأهل الصحراء، بل كانت ولا تزال سندًا لهم، وأن الوطن الذي استثمر بسخاء، وتحمل الأعباء، وفتح أبوابه، يستحق اليوم أن يُنصف في الوجدان قبل الخطاب، وفي الوعي قبل الموقف.
اخواني واخواتي الكرام،
إذا كانت هذه الحلقة قد أعادت ترتيب الذاكرة ووضع ميزان الإنصاف، فإن الحلقات المقبلة ستكون الأهم، لأنها ستنتقل من النداء الأخلاقي إلى مساءلة المسؤولية، ومن تشخيص الخلل إلى اقتراح الحلول، ومن خطاب العاطفة إلى منطق الدولة والمستقبل المشترك.
إنها حلقات لا تُوجَّه ضد أحد، ولا تُكتب لإرضاء أحد، بل تُقدَّم وفاءً لهذا الوطن، وتقديرًا لأهلنا في الصحراء، وإيمانًا بأن *الحقيقة — مهما كانت مؤلمة — تظلّ الطريق الوحيد نحو الحل، ونحو أفق إنساني وتاريخي يعيد الأمور إلى نصابها.*
فلنمضِ معًا في هذا النقاش بعقل منفتح، وذاكرة عادلة، وبضميرٍ حيّ يُدرك أن السكوت عن الخلل ليس حكمة، وأن الجرأة في الإصلاح أعلى مراتب الوفاء، لأن إنصاف الوطن من إنصاف أهله، وإنصاف الدولة من إنصاف مواطنيها، ولا مستقبل مشترك دون حقيقة كاملة، ولا وحدة راسخة دون عدل متوازن.
أكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة. وموعدنا، بإذن الله، في الحلقة المقبلة مع : *النداء الثالث: نداء لمّ الشمل والمصالحة الإنسانية في إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، فأكبر مأساة النزاع المفتعل: تمزيق الأرحام الصحراوية بين العيون وتندوف.*
والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
اخوكم عبدالله ايت شعيب.