قراءة في التحفيظ العقاري بمدن الصحراء المغربية : العيون، السمارة، بوجدور، الداخلة .
مجهر الصحراء : متابعة .
عرف المغرب منذ مطلع الألفية الثالثة إصلاحاً عميقاً لمنظومة العقار عبر تعميم التحفيظ العقاري، بهدف تأمين الملكية وتشجيع الاستثمار. وفي الأقاليم الجنوبية، يكتسي هذا الورش بعداً خاصاً، نظراً لطبيعة العقار المختلط بين أملاك الدولة، أراضي الجماعات السلالية، والعقود العرفية. فكيف يتجلى واقع التحفيظ العقاري في مدن العيون، السمارة، بوجدور والداخلة؟ وما هي التحديات والآفاق المرتبطة به؟
1. التحفيظ العقاري: من الإطار القانوني إلى الممارسة الميدانية
تولى الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية ANCFCC تدبير مسطرة التحفيظ، التي تهدف إلى إخراج العقار من دائرة الشياع وتأسيس رسم عقاري يحمي صاحبه.
في الصحراء المغربية، فتحت المحافظات العقارية بالعيون والداخلة أبوابها لمواكبة التحول العمراني السريع، حيث أنجزت عمليات مسح مندمج للأحياء السكنية الجديدة وتسوية وضعية آلاف القطع الأرضية. أما السمارة وبوجدور، فلا تزالان في مرحلة انتقالية، إذ أن نسبة العقار غير المحفظ تبقى مرتفعة مقارنة بالمدن الكبرى.
2. خصوصيات العقار في الصحراء وتأثيرها على التحفيظ
ما يميز هذه المنطقة هو تداخل الأنظمة العقارية. فإلى جانب الملكية الخاصة، توجد مساحات شاسعة تابعة للدولة والجماعات السلالية، مما يولد تعرضات متكررة أثناء مسطرة التحفيظ. كما أن البعد الجغرافي وقلة المهندسين المساحين يرفعان من كلفة ومدة الإجراءات.
ورغم ذلك، فإن الضغط السكاني والتوسع العمراني في العيون والداخلة دفعا الساكنة والمستثمرين إلى الإقبال على التحفيظ، باعتباره شرطاً أساسياً للحصول على القروض البنكية وتوثيق البيوعات.
3. الكلفة والإجراءات: بين التنظيم والواقع
تحدد مصاريف التحفيظ وطنياً بمقتضى المرسوم رقم 2.16.375. وتشمل أساساً:
– رسم الإشهار : 500 درهم ثابتة.
– رسم القيمة : 1% من الثمن المصرح به.
– رسم المساحة : 50 درهم لكل آر في المدار الحضري، و50 درهم لكل هكتار في المجال القروي.
– رسوم التسجيل : تتراوح بين 3% و5% حسب نوع العقار.
ورغم وضوح هذه التسعيرة، فإن الكلفة الإجمالية ترتفع مع أتعاب الموثق، ومصاريف التحديد، والتنقلات، مما يشكل عائقاً أمام ذوي الدخل المحدود.
4. الآثار التنموية والاجتماعية
للتحفيظ العقاري انعكاسات مباشرة على تنمية الصحراء:
– تأمين الاستثمار : الرسم العقاري يمنح ضمانة قانونية تشجع رجال الأعمال والشركات على الاستثمار في مشاريع سكنية وتجارية.
– الولوج إلى التمويل : البنوك تشترط الرسم العقاري لمنح القروض، وبالتالي فالتحفيظ يفتح الباب أمام الولوج إلى السكن والاستثمار.
– تقليص النزاعات : توثيق الحدود والحقوق يقلل من الدعاوى أمام المحاكم، رغم أن إشكالية الأراضي السلالية ما زالت تطرح تعقيدات.
– الرقمنة وتقريب الخدمة : خدمات ANCFCC الإلكترونية خففت من معاناة التنقل، وأصبح بإمكان المواطن ببوجدور أو السمارة إيداع مطلبه ومتابعته عن بعد.
خاتمة
التحفيظ العقاري في الصحراء المغربية ليس مجرد إجراء إداري، بل رافعة للاستقرار والتنمية. مدينتا العيون والداخلة قطعتا أشواطاً مهمة، بينما تحتاج السمارة وبوجدور إلى تسريع وثيرة المسح العقاري وتوعية الساكنة بأهمية الخروج من دائرة العقار العرفي. رهان المرحلة المقبلة هو تبسيط المساطر وتأهيل الأراضي السلالية للاندماج في الدورة الاقتصادية، بما يضمن عدالة عقارية وتنمية مستدامة.