مجهر الصحراء: لشكر عبدالله.
في خطوة تعكس إرادة وطنية لصون الذاكرة، شهدت مدينة السمارة حدثاً ثقافياً بارزاً : افتتاح المقر الرسمي للجنة الإقليمية لحماية وتثمين التراث. ليس مجرد تدشين بناية، بل إعلان عن ميلاد مؤسسة تعيد الاعتبار لـ”رأس المال الرمزي” للصحراء المغربية.
أولاً: السياق والنشأة..

يأتي إحداث اللجنة تنزيلاً للتوجيهات الملكية السامية التي تعتبر الثقافة والتراث رافعة للتنمية المستدامة، وانسجاماً مع القانون 22.80 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والمواقع والمناظر والتحف. كما يندرج ضمن استراتيجية وزارة الشباب والثقافة والتواصل 2023-2026 لتثمين التراث اللامادي.
إن السمارة ليست مدينة عادية، فهي “زاوية العلم” وحاضرة الشيخ ماء العينين، وتختزن كنوزاً تراثية استثنائية مهددة بالنسيان من زوايا ومخطوطات، والشعر الحساني، فنون التبوريدة، الطب التقليدي، المعمار الصحراوي.
ومن هذا المنطلق تأسست اللجنة بقرار عاملي في بداية 2025، كهيئة تشاركية تجمع: السلطات الإقليمية، المجلس الإقليمي، المديرية الجهوية للثقافة، فعاليات المجتمع المدني، شيوخ القبائل، وباحثين مختصين وكان هدفها الرئيسي : الانتقال من “رد الفعل” لحماية معلمة آيلة للسقوط، إلى “الفعل الاستباقي” لجرد وتوثيق وتثمين كل مكونات التراث.

ثانياً : المهام والأدوار..
تعتبر اللجنة الإقليمية لحماية وتثمين التراث أداة عمل ميداني بصلاحيات ورؤية واضحة ، تهدف تحويل التراث لرافعة اقتصادية عبر السياحة الثقافية والصناعة التقليدية، من خلال برنامج عمل مستمر يجمع بين التكوين والتأطير ورقمنة المخطوطات الناذرة وحماية وتوثيق التراث اللامادي الحساني .
ثالثاً: دلالات افتتاح المقر بالسمارة…
افتتاح المقر يوم 18 أبريل 2026، تزامناً مع اليوم العالمي للمواقع الأثرية، يحمل رسائل متعددة:
1. *رسالة سيادية : تأكيد أن الصحراء المغربية عمق تاريخي وثقافي للمملكة، والتراث الحساني جزء لا يتجزأ من الهوية المغربية الموحدة والمتنوعة.
2. *رسالة تنموية : المقر سيكون “حاضنة” لمشاريع الشباب في الصناعة التقليدية والسياحة.
3. *رسالة مجتمعية : المقر فضاء مفتوح للجمعيات والباحثين والزوار، ويمثل “بيت الذاكرة” لكل أبناء السمارة، من شيوخ القبائل إلى تلاميذ المدارس.
4. *رسالة للمستقبل : التراث اللامادي من مخطوطات وتحف هو “جواز سفر” إقليم السمارة إلى العالم، لذا يجب حمايته من الاندثار والسرقة والتهريب.
رابعاً: التحديات والرهانات..
المقر خطوة أولى، لكن النجاح يقاس بالأثر..
1. *التحدي المالي : ضمان ميزانية قارة للجنة، وتفعيل شراكات مع القطاع الخاص والمنظمات الدولية كاليونسكو.
2. *التحدي البشري : تكوين أطر محلية متخصصة في الترميم والتوثيق الرقمي، فالتراث لا يحميه الهواة.
3. *تحدي الانخراط المجتمعي : خلق وعي جماعي من خلال إقناع الساكنة أن “حجرة قديمة” أو “قصيدة شفهية” هي ثروة لا تقدر بثمن.
4. *تحدي الرقمنة : إن الحرب الحقيقية اليوم رقمية. وإذا لم نعمل ونجتهد في ترقيم مخطوطات السمارة، فقد يسرقها آخرون وينسبوها لأنفسهم.
ويبقى الرهان الأكبر أن تتحول اللجنة الإقليمية من “إدارة” إلى “دينامية”، ومن مكتب يستقبل المراسلات، إلى خلية نحل تنتج المعارض، وتطبع الكتب، وتكون الشباب، وتستقطب السياح.
*الخلاصة :
حدث افتتاح السيد ابراهيم بوتوميلات عامل إقليم السمارة مقر اللجنة الإقليمية لحماية وتثمين التراث بالسمارة هو تتويج لمسار، وبداية لمسار أطول ، وهو اعتراف بأن معركة التنمية في الصحراء لا تكسب بالإسمنت فقط، بل بصون الروح.
والسمارة العالمة أرض الصلحاء التي أعطت للمغرب علماء ومجاهدين، تستحق أن تحفظ ذاكرتها للأجيال القادمة.