🇲🇦 🇫🇷 في سياق التحولات السياسية الفرنسية والاستعدادات المبكرة للانتخابات الرئاسية المقبلة🇲🇦 🇫🇷
✍️ بقلم: عبد الله أيت شعيب،
مهندس دولة، كاتب وباحث في قضايا الفكر الاستراتيجي والسياسات العمومية.
📅 09 ماي 2026.
تأتي هذه القراءة في سياق سياسي فرنسي يتسم ببداية تشكل ملامح التنافس حول الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، مع إعلان عدد من الشخصيات والتيارات السياسية الفرنسية نيتها الترشح أو الاستعداد لخوض هذا الاستحقاق الهام، وما يرافق ذلك من إعادة تموقع للأحزاب، وتصاعد للنقاشات المرتبطة بالسياسة الخارجية الفرنسية وعلاقات فرنسا الدولية، بما فيها علاقتها التاريخية والاستراتيجية مع المغرب.

وفي خضم هذه التحولات، يبدو من الضروري أن يواكب المغرب هذه الدينامية السياسية الفرنسية بوعي استراتيجي واستباق دبلوماسي، عبر توسيع دائرة التواصل والحوار مع مختلف الفاعلين السياسيين الفرنسيين، سواء داخل الأغلبية أو المعارضة، لأن السياسة في الديمقراطيات الحديثة لا تُبنى فقط داخل المؤسسات الحاكمة، بل تُصاغ أيضاً داخل الأحزاب، ومراكز التفكير، والجامعات، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني.
لقد استطاع المغرب، بفضل الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، أن يحقق خلال السنوات الأخيرة اختراقات دبلوماسية كبرى في ملف الصحراء المغربية، سواء عبر الاعترافات الدولية المتزايدة بمغربية الصحراء، أو من خلال الدعم المتنامي لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلاً واقعياً وذا مصداقية تحت السيادة المغربية.
غير أن تثبيت هذه المكتسبات الاستراتيجية يقتضي مواصلة العمل على مستوى أعمق، يستهدف التأثير في النخب السياسية والفكرية داخل الدول المؤثرة، وعلى رأسها فرنسا.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الانفتاح على بعض مكونات المعارضة الفرنسية، ومن بينها La France Insoumise بزعامة Jean-Luc Mélenchon، والتي ظلت مواقفها من قضية الصحراء المغربية محكومة أحياناً بخلفيات إيديولوجية أو بمعطيات غير مكتملة، في ظل محدودية التواصل المباشر وغياب مجهود تفسيري مغربي متواصل تجاه هذه التيارات المؤثرة داخل المشهد السياسي الفرنسي.
ومن المفارقات ذات الدلالة الرمزية أن ميلينشو نفسه وُلد بمدينة طنجة Tangier، المدينة التي ظلت عبر التاريخ فضاءً للتلاقي الحضاري والثقافي بين المغرب وأوروبا، وهو ما يعكس عمق الروابط الإنسانية والتاريخية بين الشعبين المغربي والفرنسي، بعيداً عن التجاذبات الظرفية والحسابات السياسية العابرة.
إن الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة لا ينبغي أن يظل رهين التواصل مع الحكومات فقط، لأن المعارضة السياسية اليوم قد تصبح حكومة الغد، ولأن التأثير الحقيقي في الديمقراطيات الحديثة يتم عبر بناء القناعات داخل المجتمع، وعبر كسب ثقة النخب الفكرية والإعلامية والحقوقية والجامعية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تفعيل دبلوماسية أكثر شمولاً وعمقاً وفعالية، تقوم على:
* الانفتاح على مختلف الحساسيات السياسية الفرنسية دون أحكام مسبقة؛
* تعزيز الحوار مع مراكز التفكير والجامعات ووسائل الإعلام؛
* تقديم المعطيات التاريخية والقانونية المرتبطة بالصحراء المغربية بلغة هادئة وموضوعية؛
* إشراك الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج في معركة التوضيح والتأثير؛
* والانتقال من دبلوماسية ردّ الفعل إلى دبلوماسية المبادرة وصناعة القناعة.
وفي هذا الإطار، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق الدبلوماسية الرسمية وحدها، بل تستوجب تعبئة وطنية شاملة تنخرط فيها مختلف القوى والفاعلين، كل من موقعه واختصاصه، من أجل تعزيز صورة المغرب والدفاع عن قضاياه العادلة داخل المجتمع الفرنسي.
فالدبلوماسية الرسمية مطالبة بتكثيف جسور التواصل السياسي والمؤسساتي مع مختلف التيارات الفرنسية، بينما يقع على عاتق الدبلوماسية البرلمانية توسيع قنوات الحوار مع الأحزاب والبرلمانيين الفرنسيين، خاصة داخل دوائر المعارضة والتيارات الصاعدة.
كما أن الأحزاب السياسية المغربية مدعوة إلى بناء علاقات أكثر استمرارية وعمقاً مع نظيراتها الفرنسية، بعيداً عن التواصل المناسباتي أو الظرفي، بما يسمح بتقريب وجهات النظر وتوضيح حقيقة الموقف المغربي من قضية الصحراء.
أما الجماعات الترابية، خاصة في إطار التعاون اللامركزي، فإنها تمتلك إمكانيات مهمة لتعزيز التقارب الإنساني والثقافي والتنموي بين المدن المغربية والفرنسية، بما يساهم في بناء صورة واقعية وحديثة عن المغرب داخل الأوساط المحلية الفرنسية.
ويظل المجتمع المدني، بما يضمه من جمعيات وكفاءات وأطر فكرية وثقافية وحقوقية، أحد أهم الفاعلين القادرين على خوض “معركة السرديات” داخل الفضاء الأوروبي، عبر الحوار والتواصل والإنتاج الفكري والإعلامي الرصين.
غير أن الرهان الأكبر يبقى معقوداً على الجالية المغربية المقيمة بفرنسا، باعتبارها جسراً حضارياً وإنسانياً واستراتيجياً بين البلدين. فهذه الجالية، بما راكمته من حضور اجتماعي واقتصادي وثقافي وسياسي، مؤهلة أكثر من أي وقت مضى للمساهمة في تصحيح الصور المغلوطة، والدفاع عن المصالح العليا للوطن، وتعزيز فهم عدالة القضية الوطنية داخل المجتمع الفرنسي.
لقد دخل العالم اليوم مرحلة جديدة أصبحت فيها “معركة السرديات” لا تقل أهمية عن المعارك الدبلوماسية التقليدية، حيث لم تعد مواقف الدول تُبنى فقط على الاعتبارات القانونية أو التاريخية، بل أيضاً على توازنات المصالح، وقوة الإقناع، وقدرة الفاعلين على صياغة روايات مؤثرة وواقعية حول القضايا الدولية. وفي هذا السياق، تكتسي مواجهة التضليل وتصحيح الصور النمطية أهمية بالغة، خاصة عندما يصدر عن أطراف معادية لوحدة الوطن أو غير مطلعة بشكل كافٍ على حقيقة الوقائع.
فالدول، في نهاية المطاف، تصنع مواقفها من خلال تفاعل ثلاثي: المصالح الاستراتيجية، وقوة السرديات، ونجاعة تفكيك التضليل، وهو ما يفرض على الفاعلين الوطنيين اليقظة المستمرة، والعمل المنظم، والتواصل الذكي، من أجل حماية صورة الوطن والدفاع عن قضاياه العادلة في مختلف الفضاءات الدولية.
إن المغرب، بما راكمه من شرعية تاريخية، وبما حققه من استقرار وتنمية وانفتاح، يمتلك كل المقومات التي تؤهله لكسب هذه المعركة، ليس فقط عبر المؤسسات الرسمية، بل أيضاً عبر قوة الفكرة، وصدق الحجة، وعمق الحوار الحضاري.
فالرهان الحقيقي لم يعد فقط في انتزاع المواقف، بل في بناء الفهم العميق بعدالة القضية الوطنية داخل العقول والضمائر.