قراءة في كتاب .
إعداد : لشكر عبدالله.
الحلقة الأولى :
ألف الشيخ ابن تيمية رسالته السياسة الشرعية في اصلاح الراعي والرعية وهو في دمشق، اقتضاها من أوجب الله نصحه من ولاة الأمور قاضي قضاة الحنابلة ناصر الدين بن سليمان جراء ما حدث من فساد وظلم من بعض الولاة والمحتسبين في الشام في فترة حكم السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون ، وكانت الدولة المملوكية في أوج قوتها غير أنه أصابها فساد إداري ورشوة وظلم الولاة على التجار وعامة الناس ، والرسالة مختصرة فيها جوامع من السياسة الإلهية والإيالة النبوية ولا يستغني عنها الراعي والرعية .
الرسالة مبنية على آية الأمر من كتاب الله وهي كما رجحها بعض العلماء في قوله تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا،يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } [النساء / الآية 58-59] . وقد أوجبت الآية أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، فهذان جماع السياسة العادلة، والولاية الصالحة .
فأما أداء الأمانات ففيه نوعان :
احدهما : الولايات، وهو كان سبب نزول الآية .
فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة وتسلم مفاتيح الكعبة من بني شيبة او «بني ابي طلحة» ، طلبها منه العباس ليجمع له بين سقاية الحاج وسدانة البيت ، فأنزل الله هذه الآية، فأعاد عليه الصلاة والسلام مفاتيح الكعبة إلى بني شيبة فهي في حوزتهم الى اليوم .
فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : « من ولي من أمر المسلمين شيئاً، فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه ، فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين » رواه الحاكم في المستدرك .
وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : من ولي من أمر المسلمين شيئاً فولى رجلا لمودة أو قرابة بينهما ، فقد خان الله ورسوله والمسلمين .
فيجب على كل من ولي شيئا من أمر المسلمين، أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع أصلح من يقدر عليه، ولا يقدم الرجل لكونه طلب الأمر ، او سبق في الطلب، بل ذلك سبب المنع . فإن في «الصحيحين» من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن قوما دخلوا عليه فسألوه ولاية ، فقال : «إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه» .
وقال لعبد الرحمن بن سمرة : «يا عبدالرحمن، لا تسأل الإمارة،فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها ، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها » أخرجه البخاري ومسلم.
وقال : «من طلب القضاء واستعان عليه وكل إليه، ومن لم يطلب القضاء ولم يستعن عليه، انزل الله اليه ملكا يسدده» رواه رواه احمد وابو داوود والترمذي وابن ماجة والحكام والبيهقي.
إن الرجل لحبه لولده او لعتيقه، قد يؤثره على بعض الولايات، أو يعطيه ما لا يستحقه، فيكون قد خان أمانته ، وكذلك يؤثر زيادة ماله يأخذ ما لا يستحقه ، او محاباة من يداهنه في بعض الولايات، فيكون قد خان الله والرسول وخان أمانته .
ثم إن المؤدي للأمانة – مع مخالفة هواه – يثبته الله فيحفظه في أهله وماله بعده ، والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده فيذل أهله ويذهب ماله .
وفي ذلك الحكاية المشهورة : أن بعض خلفاء بني العباس سأل بعض العلماء أن يحدثه عن بعض ما أدرك، فقال : أدركت عمر بن عبدالعزيز وقد قيل له : يا أمير المؤمنين افقرت أفواه بنيك من هذا المال، وتركتهم فقراء لا شيء لهم – وكان في مرض موته – فقال : أدخلوهم علي ، فأدخلوهم – وهم بضعة عشر ذكرا ليس فيهم بالغ – فلما رآهم ذرفت عيناه، ثم قال : يا بني والله ما منعتكم حقا هو لكم ، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين : إما صالح فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح فلا أخلف له ما يستعين به على معصية الله، قوموا عني.
قال : فلقد رأيت بعض ولده حمل على مئة فرس في سبيل الله. يعني : أعطاها لمن يغزو عليها .
قلت : هذا وقد كان خليفة المسلمين من أقصى المشرق ببلاد الترك إلى أقصى المغرب بالأندلس وغيرها، ومن جزيرة قبرص وثغور الشام والعواصم كطرطوس ونحوها إلى أقصى اليمن . وإنما أخذ كل واحد من أولاده من تركته شيئا يسيرا يقال : أقل من عشرين درهما .
قال : وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه ، فأخذ كل واحد منهم ستمئة ألف دينار، ولقد رأيت بعضهم يتكفف الناس – اي يسألهم بكفه – وفي هذا الباب من الحكايات والوقائع المشاهدة في هذا الزمن، والمسموعة عما قبله، ما فيه عبرة لكل ذي لب. ( يتبع )